فقال: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (59) } [1] . فبين الله أن خلق عيسى كان بالكلمة. ومن ذلك قوله: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (35) } . [2] هاذه ثلاثة مواضع بيَّن الله فيها معنى الكلمة، وهي قوله جل وعلا في خلق عيسى: {كُنْ فَيَكُونُ} . والمعاني الأخرى من أراد أن يرجع إليها في التفسير، لكن هاذا أصح ما قيل في معنى (( وكلمته ) ).
و (( أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ) ). أي انتهت كلمته إلى مريم؛ لأنها محل هاذه الكلمة فعلًا، وأما الكلمة التي هي (كن فيكون) فهي وصفه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-.
وقوله: (( وروح منه ) )هاذا أيضًا فيه بيان ما اختص به عيسى من أنه كان بنفخ الروح، فإن الله أرسل الروح القدس جبريل فتمثل لها بشرًا سويًّا وبشرها بالكلمة ونفخ فيها، فكان عيسى من نفخ الروح ومن قول الله: كن فيكون، ولذا تميز في هاذا الحديث بأن وصف بأنه كلمته التي ألقاها إلى مريم وروح منه.
وأما قوله: (( وروح منه ) )فإن النصارى احتجوا على أنه بعض الله بأن (مِنْ) هنا للتبعيض. وهاذا غلط لم يقل به أحد من أهل الإسلام، فإن من هنا ابتدائية، وهي نظير قول الله جل وعلا: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [3] . فهل ما في السماوات وما في الأرض جزء من الله؟ تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، ولم يقل أحد بهاذا المعنى. ففهم من هاذا أن قوله: (( وروح منه ) )أنها روح مبتدأة منه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- كسائر الأرواح.
(1) سورة: آل عمران، الآية (59) .
(2) سورة: مريم، الآيات (34 - 35) .
(3) سورة: الجاثية، الآية (13) .