وقال: (( مشارقها ) )، لأن الأرض لها مشارق متعددة وليس مشرقًا واحدًا، فمشارقها متعددة، الشمس كل يوم تخرج من مكان لا تعود إليه في اليوم الثاني، إلا من العام القادم في نفس يومها، فلها مشرق ومغرب كل يوم -سبحان الخلاق العليم- كل يوم تشرق من مكان لا تعود إليه إلا في العام القابل، وهكذا حتى ينقضي العام، فرأى رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مشارق الأرض ومغاربها.
قال: (( وإن أمتي ) )والمراد بالأمة هنا أمة الإجابة، أمة الإسلام.
(( سيبلغ ملكها ) )أي سلطانها ونفوذها.
(( ما زوي لي منها ) )أي ما جمع لي منها، وبهاذا نعلم أنَّ الإسلام سيعم الأرض كلها بلا استثناء.
وما قاله بعض شراح الحديث -من أن امتداد الإسلام فقط في المشرق والمغرب لأنه لم يذكر الشمال والجنوب- فهم فيه نظر في الحقيقة، فيه نظر من حيث دلالة الحديث عليه، وأيضًا من حيث دلالة حديث آخر عليه.
أما من حيث دلالة الحديث هاذا عليه: فإنَّ النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: (( فرأيت مشارقها ومغاربها ) )ومعلوم أن ما من بقعة في الأرض إلا وتشرق عليها الشمس وتغرب، وإن كان الشروق والغروب متفاوتًا، حتى إن بعض المناطق لا تشرق عليها الشمس إلا مرة واحدة في السنة، تمكث ستة أشهر ثم تغيب ويبقون ليلًا إلى ستة أشهر، لكن ما من مكان إلا سيبلغه هاذا الدين.
ويدل عليه أيضًا قول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- -فيما رواه الإمام أحمد بسند جيد، قال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ--: (( ليبلغن هاذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ) )يعني كل مكان يبلغه الليل والنهار فإنه سيبلغه هاذا الأمر أي هاذا الدين (( ولا يترك الله بيت وبر ولا مدر إلا أدخله الله هاذا الدين ) ). وهاذا يفيد العموم، وأما كون المشرق والمغرب هو الأكثر انتشارًا فلا يعني أنه لا يصل إلى الجهات الأخرى شمالًا وجنوبًا.