ثانيًا: أنه موافق لتبليغ رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وبيان شدة الأمر وشدة التحذير والتنفير من هاذا الفعل، فإنك إذا قلت: هلك المتنطعون ثم سَكَتَّ، فإن هاذا ليس كقولك: هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون. أيهما أوقع في نفس السامع، الأول أو الثاني؟ الثاني؛ لأن تكرار الكلام تأكيد له، وإعادة للفظ والمعنى ليستقر في نفس السامع.
وقول رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( هلك المتنطعون ) )اختلف العلماء هل هو دعاء أم خبر؟ فمنهم من قال: إنَّه دعاء، يدعو رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على المتنطّعين. ومنهم من قال: إنَّه خَبَر. ولا إشكال، فإنَّه خبرٌ ودعاء، يعني: الخبر لا ينافي الدّعاء، فهو خبر ودعاء على هؤلاء؛ لكونهم تجاوزوا ما أُمروا به، ورغِبُوا عن سنة رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
والمتنطعون جمع متنطِّع، وهو من خرج عن المشروع بتشديد وتعنُّت وزيادة، فكلُّ من خرج عن المشروع في القول أو في الاعتقاد أو في العمل، فإنَّه داخل في هاذا الحديث، والله -عزّ وجل- قد بيَّن لنا هديَ رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في كتابه، وهو السّهولة واليُسْر، فقال -جل وعلا- في وصف رسوله: {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [1] . والتكلُّف هو التنطع والتشدد.
(1) سورة: ص، الآية (86) .