يقول: (وقال: قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) ، من الذي قال؟ (وقال: قال) ؟ هكذا عندكم (وقال: قال) ؟ الحديث هاذا عن ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في مسند الإمام أحمد وغيره، ولا أدري هل هو مروي أيضًا عن ابن عمر؟ لم أقف على هاذا، على كل حال الحديث مشهور من رواية ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في مسند الإمام أحمد وغيره، وفيه: (قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:(( إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو ) ).)
ومناسبة هاذا القول: أنَّ رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في حجة الوداع أمر أن يُلتقط له حصى، فلما التقطوا له حصى رفعها رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى الناس وقال: (( بمثل هاذا فارموا، وإياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو ) ).
وهاذا فيه التحذير من الغلو العملي، وذكرنا أنَّ الغلوَّ في العبادات ينقسم إلى قسمين:
غلو يُبطل العبادة، وهو الزيادة على المشروع، كأن يصلي ركعةً زائدة، أو يرمي رميًا زائدًا في الرّمي، وكذلك أن يخرج في العبادة عن الوصف المشروع، كأن يرمي مثلًا بحجر كبير، فإنه لا يجزئ الرمي، ولا يصح رميه، فهو كما لو لم يرم، فإذا زاد في العبادة زيادة غير مشروعة في وصفها أو في عددها فإن ذلك يُبطِل العبادة، هاذا القسم الأول من الغلو المبطل للعبادة.
القسم الثاني من الغلو: هو ما لا يبطل العبادة، ولكنَّه سببٌ للانقطاع والاستحسار، ومثَّلنا له بسرد الصيام في غير ما نهي عنه، كأن يصوم الدهر إلا ما نُهي عنه من أيام العيد، وقيام الليل كله، وما أشبه ذلك من العبادات التي يؤول حال الإنسان فيها إلى الانحسار والانقطاع عن العبادة، وكلا هذين مما نَهى عنه رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في قوله: (( وإياكم والغلو ) ).