ثم بعد أن بين منزلته التي هو عليها وأنه لا يرضى أن يُتجاوز به عن هاذا الحد، قال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في بيان أعظم ما يُثنى به عليه ويُمدح به-: (( فقولوا: عبد الله ورسوله ) ). وهاذان الوصفان هما أشرف ما وُصف به الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مع أنَّ كثيرًا من الناس يرى أنهما لا يفيان رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حقَّه من التعظيم، وهاذا من جهلهم وضعف عقولهم، فإنَّ الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- وصف رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بهذين الوصفين في أشرف مقاماته، وأعظم أحواله: ففي الإسراء قال الله جل وعلا: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [1] مع أنَّ المعراج هو أفضل مقامات النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ومع ذلك لم يجز هاذا الوصف. وقال -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- في مقام الوحي: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [2] . ولم يتجاوز هاذا الوصف، فينبغي للمؤمن أن لا يتجاوز ما وصف الله به رسولَه وما رضيَه رسولُه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لنفسِه.
ثالث المقامات الحميدة التي قامها رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولم يتجاوز فيها اللهُ -عز وجل- وصفَه عمّا ذكر في هاذا الحديث قول الله عز وجل: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} [3] قال: عبدالله، وهو أشرف مقاماته، وهو الرسالة والتبليغ لدين الله عز وجل.
هاذه الآيات الثلاث فيها أعظم مقامات النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ولم يتجاوز وصفُ اللِه لرسوله عمّا جاء في هاذا الحديث من أنه عبد وأنه رسول.
(1) سورة: الإسراء، الآية (1) .
(2) سورة: النجم، الآية (10) .
(3) سورة: الجن، الآية (19) .