وهاذه الآية فيها: نفي الشفاعة، وهو نمط من الآيات أو نموذج من الآيات التي في كتاب الله -عز وجل- التي جاءت فيها الشفاعة منفية، فالله -جل وعلا- نفى الشفاعة، كما في هاذه الآية نفى الشفيع قال: {وَلا شَفِيعٌ} وهاذا نفي للشفاعة، إذا انتفى الشفيع فالشفاعة منتفية.
ومن ذلك أيضًا: ما ذكره في الآية الثانية التي ساقها المؤلف رحمه الله.
(وقوله: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} .) لله لا لغيره، وقدّم الجار والمجرور ليفيد انحصار الشفاعة فيه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- دون غيره: {لِلَّهِ الشَّفَاعَة} ثم أكد ذلك فقال: {جَمِيعًا} أي: جميع أنواعها، وجميع ما يتعلق بها، وجميع شأنها لله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-. وبه يعلم أن الشفاعة محض فضل الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- ومحض كرمه وجوده على عبده، ليس للعبد فيها استحقاق، بل هي منة ومنحة وكرامة وإحسان وبر من رب العالمين.
وهاذا النص، وهاذه الآية من الآيات التي فيها نفي الشفاعة.
ولكنَّ النفي هنا معنوي أو لفظي؟ النفي هنا معنوي؛ لأنه بصيغة الإثبات الحَصري الذي يفيد الحصر والقصر، أما الآية السّابقة فالنفي فيها لفظي صريح: {وَلا شَفِيعٌ} وهاذا هو النوع الأول من الآيات التي ذُكرت فيها الشفاعة، وهو نفيها عن غير الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، فإذا كانت منفية عن غيره ومثبتة له وحده لا شريك له كان الحق والواجب أن تطلب منه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، وأن تسأل وأن ترجى منه دون غيره، فمن سألها من غير الله أو طلبها من دونه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- فقد وقع في الشرك.
قال رحمه الله: (وقوله: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ} [1] .) هاذه الآية أثبتت الشفاعة للخلق، لكنَّها أثبتتها بتقييد ولم تثبتها بإطلاق، فهي ثابتة لمن أذِنَ له الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-.
(1) سورة: البقرة، الآية (255) .