المؤلف -رحمه الله- رتّب هاذا الباب ترتيبًا بديعًا: فذكر أولًا الآيات المتعلِّقة بالشفاعة، ثم بعد ذلك جاء بكلامٍ لشيخ الإسلام -رحمه الله- تضمّن بيان ما تضمنته هاذه الآيات من معانٍ، فنبدأ بما ذكره أولًا -رحمه الله- من الآيات فقال: (وقول الله عز وجل: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ} .) هاذه الآية أمر الله -عزّ وجل- فيها رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يُنذِر الذين يخافون أن يُحشروا إلى ربّهم.
ومن هم أولئك؟
هم من آمن به -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وصدّقه فيما جاء به من الهدى ودين الحق. {أَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ} أي: يخافون لقاء الله جل وعلا؛ لأنّهم يعلمون أنهم ملاقوه، فهاذا فيه أنهم يؤمنون باليوم الآخر، وفيه أيضًا أنهم يؤمنون بأن اليوم الآخر يوم جزاء على الأعمال، ولذلك وقعت منهم المخافة.
{يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا} والحشر: هو الجمع.
{إِلَى رَبِّهِمْ} وهاذا بيان منتهى الحشر، وأن الحشر غرضه ومنتهاه أن يبلغ العبد ربه جل وعلا.
{لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ} أي: من دون الله -عز وجل- في ذلك اليوم ولا في غيره، لكن في ذلك اليوم يتّضح هاذا اتضاحًا بيّنًا.
{لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ} يعني: في ذلك اليوم.
{وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ} ولي ناصر أو شفيع جالب للخير ودافع للشر عندهم بالتوسط، فنفى الطريقين اللذين يؤمل منهما الخير ويرجى منهما دفع الشر، وهما: الولاية والشفاعة، فليس لهم من دون الله ناصر يمنعهم دونه جل وعلا، وليس لهم من دونه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- شفيع يشفع لهم إلا بالشروط التي ستأتي.