أما مناسبته للباب الذي قبله: فإنَّه في الباب السابق ذكر الملائكة، وأنهم خلق من خلق الله لا يستطيعون لأحد نفعًا ولا ضرًّا إلا ما شاء الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، ولما كان المشركون تعلقوا في شركهم بالملائكة أنهم شفعاء إنما يعبدونهم ليقربوهم إلى الله زلفى؛ ناسب أن يبين المؤلف رحمه الله- بعد بيان حال الملائكة، وأنهم لا يستطيعون جلب النفع ودفع الضر- أنهم لا يملكون هاذا الشيء الخاص الذي كان سببًا للشرك بهم، وهو طلب الشفاعة منهم.
فالمناسبة الخاصة -أي مناسبة هاذا الباب للذي قبله-: أن الملائكة يطلب منهم شيء كثير، يطلب منهم المشركون أشياء كثيرة، لكن أعظم ما ذُكر مما يطلبه المشركون من الملائكة هو الشفاعة، كما قال -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [1] . فبيَّنت هاذه الآية حكم الشفاعة.
قال رحمه الله: (باب الشفاعة) .
والشفاعة: أصلها مأخوذ من الشفع وهو جعل الفرد زوجًا، جعل الواحد اثنين، هاذا من حيث اللغة.
وأما من حيث المعنى الاصطلاحي: فهي طلب جلب النفع أو دفع الضر عن الغير.
وعرَّفها بعضُ أهل العلم بأنَّها: التوسط للغير في جلب منفعة أو دفع مضرة لأجل الغير.
هاذا كله معنى متقارب، واعلم أنَّ من العلماء من فسَّر الشفاعة بالدعاء فقال: الشفاعة هي الدعاء.
لكن ينبغي أن يقال: إنه دعاء خاص وليس دعاءً بمعناه المطلق؛ بل هو دعاء خاص في جلب نفع معين أو دفع ضر معين.
(1) سورة: الزمر، الآية (3) .