الصفحة 296 من 952

قال أبو العباس: نفى الله عما سواه كلَّ ما يتعلق به المشركون: فنفى أن يكون لغيره مُلك أو قسط منه، أو يكون عونًا لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبيَّن أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى} [1] . فهاذه الشفاعة التي يظنها المشركون أنها لهم، هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن، وأخبر النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده، لا يبدأ بالشفاعة أولًا، ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تُعط، واشفع تُشفع.

وقال أبو هريرة له -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: (( من قال: لا إلاه إلا الله خالصًا من قلبه ) ). فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله.

وحقيقته: أن الله سبحانه هو الذي يتفضَّل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذِنَ له أن يشفع؛ ليكرمه وينال المقام المحمود. فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهاذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بيَّن النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى كلامه.

[الشرح]

فمناسبة هاذا الباب لكتاب التوحيد ظاهرة: فإنَّ من أعظم أسباب الوقوع في الشرك قديمًا وحديثًا طلب الشفاعة، والسعي في تحصيلها، ولذلك كان من المناسب أن يبيِّن المؤلف -رحمه الله- ما يتعلق بهاذا الباب؛ حتى يقطع حجة وشبهة كلِّ من تعلَّق بهاذا الأمر، وليتبين ما الذي يثبت من الشفاعة من الذي لا يثبت، هاذه هي مناسبة الباب لكتاب التوحيد.

(1) سورة: الأنبياء، الآية (28) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت