(( فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدًا ) ). فجمعوا بين أمرين: صعقوا، وخروا لله سجدًا.
وما فائدة ذكر الخرور سجدًا؟
ليتبين أن الصعق ليس صعق إغماء، لا قدرة لهم عليه، أو يفقدون به كلَّ ما يدركون به الأمر أو يدركون به القضاء، إنما هو صعق إجلال وتعظيم يقترن معه الخرور، والخرور سجود وتعظيم.
(( خروا سجدًا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد ) ).
هاذا ظاهره أنه يكلمه تكليمًا خاصًّا بعد هاذا الكلام العام، فيكون الكلام العام يشمل جميع الملائكة، يسمع أثره الجميع، وأما تكليمه جبريل فهو بعد ذلك، وهو تكليم خاص.
(( فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير. فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل ) ).
والحديث هاذا ليس فيه زيادة على ما مضى إلا بيان مرجع الضمير، وأيضًا بيان أن أول من يرفع رأسه جبريل، وأنه هو الذي يبلغ الملائكة بما قضاه الله -عز وجل- بعد ذلك.
وقد ذكر العلماء بيانًا لسبب هاذا الحديث:
أنه لما انقطع الوحي ما بين محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وبين عيسى -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هاذه المدة الطويلة، ثم تكلم الله بالوحي وهو الوحي الشرعي حصل من الملائكة هاذا.
فظاهر هاذا القول أن الحديث خاص بتلك الحال، وهي أول ما تكلم الله فيه بالوحي للنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعد انقطاع الكلام من عيسى ليه السلام.
لكن هاذا ما عليه دليل واضح، والظاهر أن هاذه هي حالهم على وجه العموم. وبهاذا نعرف أن قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} فيه ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه عام لحال الملائكة في كل كلام لله جل وعلا.
الثاني: أنه حال الملائكة عند طلب الشفاعة، وتلقي الإذن بالشفاعة.