الصفحة 289 من 952

(( فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا، كذا وكذا؟ ) ). أي: يحتجون بتلك الكلمة التي سمعت من السماء فوقعت كما أخبر بها الكاهن والساحر على صدقه في ما يكذب من الكذبات، فيصدق بتلك الكلمات، أي: التي سمعت كما قال، التي سُمِعت من السماء، فعلم أن ما عند هؤلاء من الإخبار بالغيب إنما هو مما يتلقاه عن مسترق السمع، وإلا فالغيب لله جل وعلا، لا يعلمه إلا هو -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [1] . وهاذا أمر لا إشكال فيه، ومن كذبه فقد كذب القرآن؛ لأن انفراد الله بالغيب واضح وضوحًا لا ريب فيه، وهو معلوم من الدين بالضرورة؛ لكثرة ما جاء من الأدلة الدالة على انفراده --سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-- بعلم الغيب.

والشاهد من هاذا الحديث:

أنَّ الملائكة خلق من خلق الله، ليس بهم غنىً عن الله -جل وعلا-، لا يملكون من أمر تدبير الكون أو القضاء فيه شيئًا، إنما هم مربوبون مقهورون لا سبيل لهم إلى شيء إلا بإذن الله -عز وجل- ومشيئته، وأنهم على عظيم خلقهم وقدرتهم إلا أن هاذه حالهم عند كلام الله -جل وعلا- بما يتكلم به.

ثم جاء في الحديث الآخر مزيد توضيح لحال الملائكة في كلام الله عز وجل.

يقول: (وعن النواس بن سمعان -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:(( إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي، أخذت السماء منه رجفة -أو قال: رعدة- شديدة خوفًا من الله عز وجل، فإذا سمع ذلك أهل السماوات ) )).

سمعوا أي شيء؟ الرجفة والرعدة، وهاذا هو المعنى الثاني الذي ذكرناه في فك الضمير في قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( كأنه سلسلة على صفوان ) ). فيكون الصوت صوت السماء.

(1) سورة: النمل، الآية (65) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت