بقي على القول بأن الضمير يرجع إلى قول الله -عز وجل- كيف يكون المعنى؟
يكون المعنى: كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم. فالتشبيه ليس لصوت الله -جل وعلا- إنما هو لنفاذ الصوت في هؤلاء، والنفاذ ليس صفةً له إنما صفةٌ لهم، فهو بيان لصفة إدراكهم ونفوذ هاذا الصوت فيهم، أما الصوت فليس كمثله شيء، وهاذا يحل الإشكال وهو واضح وبيّن.
يبقى المعنى الثاني الذي ذكره بعض أهل العلم: أن الضمير يعود إلى السماء، كما في بعض الروايات عن ابن مسعود -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وفيها: (( يسمع أهل السماء للسماء صوتًا كأنه سلسلة على صفوان ) ). فيكون المشَبَّه ما يحدث في السماء من جراء كلام الله عز وجل، وما يحدث في السماء صفة لله أم صفة للسماء؟ صفة للسماء ليس صفة لله.
فما يحدث في السماء من جراء الكلام ليس صفة لله عز وجل.
ونظيره ما ذكره الله -عز وجل - في تجليه للجبل: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا} [1] . والدك هاذا صفة للرب أو صفة للجبل؟ صفة للجبل، لكن ما سببه؟ هو تجلي الرب جل وعلا.
فنظيره هاذا المعنى في هاذا الحديث: (( كأنه سلسلةٌ على صفوان ) ). أي: كأن صوت السماء لكلام الرب -جل وعلا-كصوت السلسلة على صفوان ينفذهم.
ثم قال: (( ينفذهم ذلك ) )المشار إليه الصوت المشبه به، أو المشبه له؟ الصوت المشبه له.
يقول: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} [2] . (حتى) غائية، وهي تختلف عن (إلى) في أن ما بعدها داخل في ما قبلها، أي: إنه داخل في الغاية وليس منتهى الغاية، بخلاف (إلى) قد يدخل المُغَيَّا وقد لا يدخل.
{حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} وهاذا يدل أن هاذه الحال تعتريهم حتى بعد فراغ الله -عز وجل- من الكلام، يحتاجون إلى فترة حتى يُكشف عنهم، وذلك لعظيم أثر هاذا الكلام عليهم.
(1) سورة: الأعراف، الآية (134) .
(2) سورة: سبأ، الآية (23) .