فالباب السابق بين فيه أن أعظم الخلق جاهًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يملك لنفسه ولا لأتباعِه ولا لأقارِبِه ولا لأخص أقاربه نفعًا ولا ضرًّا، وهاذا الباب بيَّن فيه أن أعظم الخلق قدرة ومن أشرفهم مكانة وهم الملائكة لا يملكون دفعًا عن أنفسهم ولا جلبًا للخير إليها، لا عن أنفسهم ولا عن غيرهم، ولا لهم ولا لغيرهم.
قال رحمه الله: (باب قول الله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} . [1]
{فُزِّعَ} أي: أُزيل الفزع وكُشف عن قلوب الملائكة، فالضمير يعود إلى الملائكة.
{قَالُوا} أي: قال الملائكة الذين كُشف عن قلوبهم الفزع.
{مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ} أي: أي شيء تكلم الله به؟
{قَالُوا الْحَقَّ} وظاهره أن الجواب منهم أيضًا، وأنَّ السؤال منهم، ويحتمل أن السؤال من بعضهم والجواب من البعض الآخر كما دلت عليه بعض الروايات:
فإذا كان الجواب منهم والسؤال منهم جميعًا، فيكون السؤال هنا على وجه التعظيم لا على وجه الاستعلام، فيقولون: ماذا قال ربكم؟ تعظيمًا لقوله جل وعلا.
وإذا كان السؤال من بعضهم والجواب من البعض الآخر فهو سؤال استفهام واستعلام.
{قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} . أي: إن قوله -جل وعلا- الحق، وهاذا الجواب بيان لوصف القول لا لعينه؛ لأنه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- كما تدل الأحاديث التي ساقها المؤلف -رحمه الله- يتكلم بالأمر من أمره -جل وعلا- فتقول الملائكة هاذا الجواب.
بعض العلماء قال: هاذه الآية هي وصفٌ لحال الملائكة في كل كلام لله -جل وعلا- يتكلم به.
وقال آخرون: إنه وصف لهم في يوم العرض على الله -جل وعلا- في يوم القيامة، وذلك أن الملائكة تشفع، فإذا استأذنت للشفاعة وتكلم الله -جل وعلا- بالإذن كانت هاذه هي حال الملائكة.
(1) سورة: سبأ، الآية (23) .