ما فيه إشكال أنه فعله تخلصًا من شرهم، لكن في قول الشيخ رحمه الله: (لم يقصده) إشكال، وذلك أن الرجل لم يعتذر بأنه لا يقرب لأحد شيئًا، إنما اعتذر لأي شيء؟ لأنه لا يجد ما يقرّب، فلما اقترحوا عليه هاذا لم يتردد، بادر إلى التقريب، فدل ذلك على أنه موافق لهم في التقريب لغير الله، وأن ذلك الفعل لم يكن عن إكراه محض، إنما عن موافقة وطاعة لهؤلاء فيما طلبوه منه من الكفر بالله عزّ وجل. معلوم أن الإكراه إذا كان المكرَه موافقًا منشرح الصدر لما أُكره عليه فإنه يؤاخذ به في المعصية والكفر، يعني في المعاصي التي دون الكفر وفي الكفر؛ لأن شرط عدم المؤاخذة بالإكراه أن يكون القلب مطمئنًّا بالإيمان وألا ينشرح إلى الكفر؛ لقول الله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} [1] فإذا أُكره الإنسان على فعل من الأفعال- كفر فما دونه- وكان منه قبول لهاذا المكره عليه فإنه يُؤاخذ به في الكفر فما دونه؛ لصراحة هاذه الآية في الاستثناء حيث قال: {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} فإنه يؤاخذ بذلك.
ثم إنّ من قال: إن الرجل كان مكرهًا؟ اختلفوا في دلالة الحديث على تأثير الإكراه على الفعل إذا كان كفرًا، فمن العلماء من قال: إن هاذا في شرع من قبلنا، وأما شرعنا فإنه وضع عنا ما يكون من الإنسان حال الإكراه فلا يؤاخذ به، فحمل الحديث على شرع من قبلنا، وأما شرع الإسلام فإن الإنسان إذا فعل فعلًا ولو كان كفرًا وهو مكره فإنه لا يُؤاخذ به.
(1) سورة: النحل، الآية (106) .