قال: (( دخل الجنة رجل في ذباب ) )أي بسببه (( ودخل النار رجل في ذباب ) )أي بسبب ذباب. (قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟) يعني: بيِّن لنا. (قال:(( مر رجلان على قوم لهم صنم ) )) وتقدم تعريف الصنم (( لا يجوزه ) )لا يتعداه ولا ينفذ منه (( أحد حتى يقرب له شيئًا ) )أي: يتقدم إليه بقربة، وقوله: (( شيئًا ) )يشمل الدقيق والجليل، الحقير والكبير (( فقالوا لأحدهما: قرِّب. قال: ليس عندي شيء أقربه ) ).
الآن هاذا بماذا اعتذر؟ اعتذر بإنكار التقريب لهاذا الصّنم أو بأنه لا يملك ما يقرب؟ بأنه لا يملك ما يقرب، فماذا كان؟
(( قالوا له: قرب ولو ذبابًا ) ). و (( لو ) )هنا المقصود بها أي شيء حتى ولو كان في الضآلة والانحطاط إلى درجة الذباب، وهاذا فيه حرص هؤلاء على إيقاع الناس في الشرك، وإلا فما فائدة تقريب الذباب؟ ليس فيه إكرام ولا فيه تعظيم، بل لو أنك قدمت لأحد ذبابًا لكان ذلك إهانة، لكن هؤلاء أرادوا وقصدوا إيقاع الناس في الشرك.
(( فقرَّب ذبابًا فخلَّوا سبيله ) )أي: تركوه وشأنه (( فدخل النار ) ). والفاء هاذه للتعقيب، أي: لترتيبب الحكم على الوصف السابق، فهي تفيد السببية، فدخل النار، ما سبب دخوله النار؟ تقريبه الذباب لهاذا الصنم.
(( وقالوا للآخر: قرِّب. قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئًا ) ). فامتنع من التقريب لاعتقاد أو لعدم مِلك؟ لاعتقاد، وهو أنه لا يستجيز أن يقرب لأحد دون الله شيئًا.
(( فضربوا عنقه ) )أي: قتلوه (( فدخل الجنة ) )بسبب امتناعه عن الكفر.
وهاذا الحديث يبين مقصود المؤلف فيه: أن التقرب بالذبح أو بأي شيء ولو كان حقيرًا لغير الله على وجه التعبد فإنه من الشرك، فهاذا لما قتل الذباب وقرب الذباب تعبدًا وقع في الشرك فدخل النار، والآخر لما امتنع من ذلك وحقق التوحيد وأنه لم يقرب لأحد، لم يصرف شيئًا من العبادة لأحد دون الله وقُتِل من أجل ذلك كانت عاقبته الجنة.
[المتن]
فيه مسائل:
الأولى: تفسير {إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي} .
[الشرح]