ثم قال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( لعن الله من لعن والديه ) ). وهاذا من كبائر الذنوب، ولعن الوالدين يكون بتوجيه اللعن لهما مباشرة، أو بما أخبر به النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من أن (( الرجل يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه ) ).
ثم قال: (( لعن الله من آوى محدِثًا أو محدَثًا ) ). اللفظ محدِثًا ويشمل محدَثًا، فاللعن للمحدث هو لعن لما أحدثه، والمقصود بالمحدِث هنا هو كل من طُلب بحق لله عز وجل في حد أو غيره من حقوق الله جل وعلا، ويشمل أيضًا كل من ابتدع في الدين ما ليس منه، فإنه داخل في قول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( لعن الله من آوى محدِثًا ) ). والإيواء يكون بالسّتر والإخفاء لمن طُلب في حقّ من حقوق الله، ويكون بالتأييد والنّصر والذّب عن البدع، فإنه داخل في قول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( لعن الله من آوى محدثًا ) ).
آخر الجمل الأرْبع في هاذا الحديث قوله: (( لعن الله من غير منار الأرض ) ). (( من غيَّر ) )أي بدّل، فالتغيير هو التبدّيل، والمقصود بمنار الأرض هنا ما يُستنار به منها، والمقصود به علامتها التي تميز الأملاك من المراسيم وشبهها وحدودها، ويشمل أيضًا العلامات التي يهتدي بها النّاس في الطرقات، فمن غيَّر العلامات التي يستدل بها الناس على الأماكن بطمس أو تحريف يحصل به إضلال الناس وإتعابهم فإنه من تغيير منار الأرض.
من تغيير منار الأرض أيضًا إضلال المسترشد من أعمى أو بصير، فإذا سألك الأعمى عن الطريق وقلت له: الطريق من ها هنا وهو مخالف لما قلت فإنه من تغيير منار الأرض يدخل في اللعن؛ لأنه موافق له في المعنى، وكذلك لو أن شخصًا سألك من غير أهل البلد عن مكان فيه فدللته على غيره فإنه من تغيير منار الأرض، وهاذا تغيير حسي.