ثم قال رحمه الله: (قوله: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [1] .) هاذه ثاني آية في هاذا الكتاب، وفيها بَيَّن المؤلف - رحمه الله - أن الله عزّ وجل إنما بعث الرسل لتقرير هاذه الغاية التي خلق الخلق لأجلها، فإن الله تعالى لما أنزل آدم وحواء إلى الأرض ظل هو وزوجته والناس من بعده على التوحيد عشرة قرون، فلما حدث الشرك بعث الله عز وجل الرسل ليقيموا الناس على الصراط المستقيم، وليردّوهم إلى عبادة الله، فبعث الله عزّ وجل الرسل لما تخلّفت هاذه الغاية ولما حصل اختلال في تحقيقها، قال: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا} أي أرسلنا، والبعث أصله الإثارة، بعثتُ الشيء أي أثرته، فبعث الله عز وجل في كل أمة -وهاذا يشمل جميع الأمم الماضية، فإنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير، بعث الله فيها- رسولًا، ماذا يفعل؟ {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} ، {أَنْ} هنا تفسيرية؛ لأنها جاءت بعد البعث الذي فيه معنى القول دون حروفه، (أن) التفسيرية تأتي بعد فعل مُحْتَوٍ على معنى القول دون حروفه، فالبعث هنا لأجل أي شيء؟ ليقول لهم: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} . فأمرهم بأمرين متلازمين لا يقوم أحدهما إلا بالآخر: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ} . وهاذا فيه طلبهم بإفراد العبادة، طلب منهم أن يفردوا الله بالعبادة، ثم قال: {وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} أي اجعلوا الطّاغوت في جانب وأنتم في جانب، فاجتناب الشيء لا يتحقق إلا إذا جعلت الشيء المجتنب في جانب وأنت في جانب، يعني أنت في طرف وهو في طرف، وهاذا معنى {وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} .
(1) سورة: النحل، الآية (36) .