الصفحة 14 من 952

وأعظم ما تتحقق به العبودية هو التوحيد، فمن لا توحيد له لا عبودية له، فلو أن رجلًا صلَّى وصام وزكَّى وحج وفعل شرائع الدين؛ لكنه أشرك مع الله غيره، لم يُفرد الله بالعبادة، ما مصيره؟ مصيره: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [1] . نعوذ بالله من الخسران، لا يحصِّل من هاذا شيئًا مهما كان، ولذا لما سألت عائشة رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن عبد الله بن جدعان قالت: يا رسول الله! على ما كان عليه من خير في الجاهلية هل ينفعه ذلك يوم القيامة؟ قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( لا، إنه لم يقل يومًا من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ) ) [2] أي: إنه كان يكذّب بالبعث والحساب، فما نفعه مع ما كان عليه من خير من إحسان وصدقة، ولذا كان من فقه ابن عباس ودقيق علمه وفهمه لكتاب الله أن فسَّر العبادة هنا بالتوحيد.

واعلم أنه كلّما رسخ التوحيد في قلب العبد وثبت كان ذلك سببًا للإتيان ببقية شرائع الدِّين، ولذلك قال الله في يوسف: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [3] وفي قراءة: {الْمُخْلَصِينَ} . {الْمُخْلِصِينَ} يكون من فعله و {الْمُخْلَصِينَ} يكون من اصطفاء الله له، واصطفاء الله له لا يكون إلا لأنه حقق التوحيد، فالقراءتان تبين إحداهما الأخرى، فهاذه الآية بيان لسبب خلق الجن والإنس وهو أنه للعبادة.

(1) سورة: الفرقان، الآية (23) .

(2) مسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل، حديث رقم (214) .

(3) سورة: يوسف، الآية (24) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت