قال المصنف رحمه الله: [ومن رأت يومًا دمًا ويومًا نقاءً؛ فالدم حيض والنقاء طهر ما لم يعبر أكثره] .
هذه المسألة فيها إشكال؛ لو أن امرأة قالت: يجري مني دم الحيض يومًا وينقطع يومًا، ثم يجري يومًا وينقطع يومًا وهكذا، فما الحكم؟ أولًا: مسائل الانقطاع هذه ينبغي أن يتنبه فيها للقاعدة التي ذكرناها في أقلّ الحيض، فعلى مذهب من يقول إنه لا حد لأقله -كالمالكية ومن اخترنا قوله- فإنه إذا مضى نصف يوم ثم كان اليوم الثاني طهر يومًا كاملًا، ثم خرج نصف يوم، ثم جاء طهر يومًا كاملًا فيرون أن ذلك من الحيض، فأيام الدم أيام حيض.
أما من يقول بالأقل فيشترط في هذه المسألة -عند الشافعية والحنابلة- أن يكون يومًا وليلة، مثال ذلك: أن ترى يومًا وليلة دمًا، ويومًا وليلة طهرًا وهكذا، لكن لو جئت تسأل شافعيًا أو حنبليًا أو من يرجح مذهب الشافعية والحنبلية في امرأة جرى منها الدم نصف يوم، ثم انقطع يومًا ونصف، ثم نصف يوم، ثم انقطع يومًا ونصف، فإنه سيقول هذا ليس بحيض وإنما هو استحاضة.
فهذه فائدة معرفة أقلّ الحيض، فلا بد عند هؤلاء الذين يقولون بالأقل من أن يكون بلغ أقل الحيض، ولا يحكمون بكونه حيضًا إلا إذا بلغ الأقل، ولذلك قال المصنف: (ومن رأت يومًا دمًا ويومًا طهرًا) .
والحنفية يقولون: يكون ثلاثة أيام دمًا، ويومًا طهرًا، وثلاثة أيام دمًا، ويومًا طهرًا؛ لأن الأقل عندهم ثلاثة أيام.
إذًا: فرض المسألة على المذاهب بهذا الشكل، عند الحنفية: تكون ثلاثة أيام دم؛ لأنهم يعتبرون الثلاث حدًا أقليًا.
والمالكية لا يحددون ويقولون: أن ترى الدم، وعند الشافعية: أن يكون يومًا وليلة، والحنابلة مثلهم.
فقال المصنف رحمه الله: [ومن رأت يومًا دمًا ويومًا نقاء فالدم حيض والنقاء طهر] .
هذه مسألة خلافية: لو أن امرأة جاءتك وقالت: مكثت شهرًا؛ أرى يومًا دمًا ويومًا طهرًا وهكذا فما الحكم؟ وعادتها خمسة أيام.
للعلماء فيها قولان: قال بعض العلماء: تجلس خمسة أيام من أول ما يأتيها الدم، فيصبح اليوم الأول الذي رأت فيه الدم حيضًا، وكذلك الثاني والثالث والرابع والخامس، ويصبح اليومان اللذان هما متخللان للخمسة أيام -اليوم الثاني والرابع- عند أصحاب هذا القول مع كونهما طهرًا حيضًا.
هذا مذهب القول الأول.
القول الثاني يقول: اليوم الذي رأت فيه الدم يصير حيضًا، واليوم الذي رأت فيه النقاء يصير طهرًا، ثم تعد بحسب أيام الدم، فاليوم الأول حيض، والثاني طهر، والثالث حيض، والرابع طهر، وهكذا حتى تبلغ الخمسة الأيام، والمذهب الثاني يسمى: مذهب التلفيق، وقال به فقهاء الشافعية والحنابلة والمالكية، وهو الأقوى والأرجح إن شاء الله.
فللعلماء وجهان: مذهب يقول: كل أيامها حيض بقدرها، فإذا كانت عادتها ستًا فإنها تعتبر بتمام اليوم السادس، وهذا المذهب مرجوح كما قلنا.
المذهب الثاني يقول: إنها تعتبر طاهرًا في اليوم الذي فيه نقاء، حائضًا في اليوم الذي فيه دم، وبناءً على ذلك: إذا كانت عادتها ستة أيام فمتى يحكم بخروجها من عادتها على القول الثاني؟ يقولون: اليوم الأول حائض، واليوم الثاني طاهر فتصوم وتصلي، واليوم الثالث والخامس والسابع والتاسع والحادي عشر حائض؛ إذًا: تخرج بتمام الحادي عشر.
وهذا يسميه العلماء: مذهب التلفيق؛ لأنها تلفق أيامها، وقال به جمهور العلماء، وهو موجود عند المالكية والشافعية والحنابلة رحمة الله عليهم، وهو أقوى الأقوال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علّق الحيض على وجود الدم، وهو أصل في الشرع، فإن تخلّف الدم ورأت النقاء فإنها طاهر، ولا يحكم بكونها حائضًا.