فهرس الكتاب

الصفحة 4033 من 7030

قال رحمه الله: [وإن غرم أضعافه] .

عندنا مسألتان: المسألة الأولى: وجوب رد المغصوب مع الزيادة.

المسألة الثانية: وجوب الرد نفسه، وأن يكون الرد مع الزيادة.

عندنا مسألتان: مسألة الزيادة ستأتي، لكن مسألة الرد هنا من حيث الأصل الشرعي العلماء كلهم مجمعون على أن الواجب -من حيث الأصل- على الغاصب أن يرد الشيء الذي اغتصبه، وأن يرد العين التي اغتصبها، سواء كانت من العقارات أو كانت من المنقولات، لكن لو أن شخصًا اغتصب شيئًا فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون الشيء في موضعه ويحول بينه وبين صاحبه، كرجل اغتصب أرضًا، فجاء وأخذ من أخيه -مثلًا- نصف أرضه، ووضع عليها الحواجز واغتصبها، فالحكم حينئذٍ رد المغصوب، وسيكون برجوعه إلى الحدود الأصلية التي كانت بينه وبين أخيه.

أما الصورة الثانية: أن يكون المغصوب قد انتقل وحوّله الغاصب من موضع الغصب إلى موقع آخر وهذه هي المسألة التي قصدها المصنف رحمه الله، فيجب رد المغصوب بزيادته ولو غرم أضعافه، يعني: ولو كان رد المغصوب إلى البلد الذي وقع فيه الغصب يكلف أضعاف قيمته، وهذه مسألة مهمة جدًا.

ومن أمثلتها: لو أن شخصًا اعتدى على ماكينة زراعية لأخيه المسلم، فجاء وأخذها من أرضه واغتصبها ونقلها إلى أرض ثانية في بلد آخر، فإذا ثبت غصبه عند القاضي فيقول للغاصب: يجب عليك نقل هذه الماكينة وردها إلى الموضع الذي اغتصبتها منه.

فإذا جئت تتأمل الماكينة تجد أن قيمتها عشرة آلاف ريال، لو جاء يردها ربما كلفه الرد ثلاثين ألف ريال، فحينئذ الرد سيكلف أضعاف قيمة العين المغصوبة، نقول: يجب عليك الرد ولو كلفك أضعافًا؛ لأن الرد مستحق.

لكن لو أن الغاصب قال: أنا لا أستطيع أن أتحمل ثلاثين ألفًا، ولكن سأشتري له ماكينة من نفس النوع وجديدة من نفس البلد وأضعها في نفس المكان، فنقول: لا، إلا أن يرضى المغصوب منه.

من حيث الأصل: لو أصر المالك وقال: ما أريد إلا ماكينتي، ترد له ولو كلفت أضعاف قيمتها؛ لأن العين مستحقة، وهذا حقي، وهذا من عدل الله بين العباد، فمثل ما أخذتها تتحمل مسئولية نقلها إلى موضعها، ما أحد أمرك أن تنقلها، فلما اعتديت بالنقل تحملت جميع ما يترتب عليه من آثار، ومنها: ضمان الأجرة المستحقة للنقل.

فأولًا: عندنا حكم، وهو: وجوب الرد، فالقاضي يقضي بأنه يجب عليه رد الماكينة إلى موضعها، فإذا أصر المالك وقال: أريد ماكينتي، لا إشكال، نقول: يجب عليك ردها ولو كلفك أضعافًا، هذه المسألة الأولى.

المسألة الثانية: لو قال: يا فلان! أعطيك مثلها وأضعها في المكان الذي اغتصبتها منه، قال المغصوب منه: رضيت، فلو قال: رضيت، تنتقل المسألة إلى مسألة الصلح، وتصبح القضية قضية صلح، والصلح جائز بين المسلمين، لكن الصلح إذا كانت فيه مناقلة ومبادلة يكون من باب البيع، فكأنه باعه ماكينته في ذلك الموضع بماكينة في هذا الموضع وتسري عليه أحكام البيع.

فائدة قوله: تسري عليه أحكام البيع، أنه إذا ترتب عليه ربا النسيئة فلا يجوز، ولا يصح صلحًا، مثل: امرأة اغتصبت من امرأة كيلو من الذهب ونقلته من بلد إلى بلد، فهذا الكيلو من الذهب لو أنها جاءت ترده احتاجت إلى حفظه وحرزه، فيكلفها مالًا، فقالت: أنا أعطي مثله من الذهب هنا في مكة مثلًا، فحينئذٍ صار ذهبًا بذهب، فيجب أن يكون في نفس المجلس وإلا كان ربا نسيئة فلم يصح.

هذه فائدة قولنا: تنتقل المسألة إلى مسألة الصلح، فلا يصح الانتقال في الغصب إلى المثلي إلا إذا كان من جنس ما أذن الشرع فيه من الانتقال المثلي، فإن اشترط فيه التقابض وجب أن يكون في المجلس الذي اصطلحا عليه، فإن قال: غدًا آتيك، أو قال: بعد ساعة أحضر الذهب، كان هذا ربا ولا يصح.

فإذًا: لا بد أن نفصل فيه، الحكم الأصلي: وجوب الرد، ثانيًا: أن هذا الرد ولو كلف أضعاف القيمة فهو ملزم به في الأصل إذا أصر المالك الحقيقي على عين متاعه وحقه، فهذا حق من حقوقه وليس لأحد أن يحول بين المالك وبين حقه، فإذا قال: أريد حقي، وجب إعطاؤه حقه، ورده إلى موضعه مهما كلف هذا.

فإن اختار المالك أو رضي المالك صلحًا بالبدل عنه، فصل في أحكامه على ما تقدم في باب الصلح، وصارت مناقلة مبنية على المعاوضة بالبيع على التفصيل المتقدم.

فقوله: [ويلزم رد المغصوب بزيادته، وإن غرم أضعافه] .

(وإن غرم) يعني: خسر، (أضعافه) يعني: أضعاف المغصوب، فيجب عليه أن يرد المغصوب بزيادة وإن كلفه ما كلفه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت