فهرس الكتاب

الصفحة 4368 من 7030

فقال رحمه الله: [ويشترط فيه المنفعة دائمًا] (ويشترط فيه) يعني: في محل الوقف، فلا يقع الوقف على شيء إلا إذا استوفى شروطًا، ولا نحكم بوقفية كل شيء، وبعبارة أخرى أن الوقف يختص بأشياء دون أشياء.

وبناءً على ذلك يرد

السؤالما هي الأشياء التي يمكن وقفها؟

الجوابكل عين فيها منفعة قابلة للانتقال بالتمليك، ودائمة لا تفوت العين بها.

فلمّا قلنا: كل عينٍ، خرجت المنافع؛ لأن الأشياء أعيان ومنافع، فالعين هي الرقبة مثل الدار والمزرعة، فكل عين لها منفعة يمكن أن يتعلق الوقف بالعين، ويمكن أن يتعلق بالمنفعة، فإذا تعلق بالعين تبعت المنفعة العين، وأما إذا تعلق بالمنفعة فإن هذا لا يستلزم وقفية العين.

وبناءً على ذلك فالوقف لا يصح إلا إذا كان بالعين، فلا يتعلق الوقف بالمنافع، ومن أمثلة المنافع السكنى، فلو أن شخصًا ملك منفعة دارٍ شهرًا، كأن يستأجر عمارة لمدة شهر، أو يستأجر عمارة سنة، أو يستأجرها عشر سنوات، ثم قال: أوقفت هذه المنفعة عشر سنوات على طلاب العلم؛ فإنه لا يصح؛ لأن الوقف لا يتعلق بالمنافع.

ولذلك يشترط في محل الوقف أن يكون من الأعيان لا من المنافع، وهكذا لو قال: أوقفت الركوب على الدابة، فلا يصح، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم مشيرًا إلى هذا الشرط: (إن شئت حبّست الأصل وسبّلت الثمر) ، فجعل المنفعة تابعة للعين وجعل الوقفية متعلقة بالعين.

ثانيًا: أن تكون هذه العين مشتملة على منفعة لا تفوت بفواتها لو تعلقت الوقفية بها، فإذا أوقف عينًا ولها منفعة وكانت المنفعة لا تتحقق إلا بذهاب العين لم تصح الوقفية، ومن أمثلة ذلك أن يوقف طعامًا على فقير فإن انتفاع الفقير بالطعام لا يمكن أن يكون إلا بالأكل، وحينئذٍ تكون منفعة الموقوف مفضية إلى ذهاب عين الموقوف.

ولا يصح الوقف على هذا الوجه، فلا يصح وقف الطعام على هذا الوجه؛ لأنه لا يمكن الانتفاع به إلا بذهاب عينه، والنبي صلى الله عليه وسلم عبّر في الوقف بعبارتين (إن شئت حبّست الأصل وسبّلت الثمر) ، فلو قلنا بصحة وقفية الطعام ووقفية الأعيان التي تذهب بالانتفاع بها، فإن هذا يناقض الوقف؛ لأن الوقف حبس الشيء: (إن شئت حبّست الأصل) ، وهو إذا قال أوقفت هذا الطعام صدقة على المسكين؛ فإن انتفاع المسكين مفتقر إلى فوات الطعام، والوقف حقيقته أن يبقى الأصل محبوسًا، فلا تتحقق الوقفية، ولا يمكن أن يكون الطعام باقيًا؛ لأنه يُستنفد ويستهلك بالأكل.

ومن هنا تخرّجت أيضًا مسألة وقفية الدراهم والدنانير، كأن يقول: هذه مائة ألف وقف على الفقراء والمساكين، فهذا لا يصح؛ لأن الذهب والفضة لا يصح وقفها في قول عامة أهل العلم كما حكاه الإمام ابن قدامة رحمه الله وغيره، فذكر أن وقف الأثمان لا يصح، لأنه لا يمكن أن ينتفع بالذهب والفضة إلا بالشراء وبذلها، فإذًا منفعتها موجبة لذهاب عينها، والوقف يستلزم بقاء العين.

فصار هناك تناقض بين حقيقة الوقف ووجود الثمرة والمقصود من التحبيس والوقفية، ومن هنا لا بد وأن تكون العين باقية، وألا يكون الانتفاع بهذه العين موجبًا لفوات العين، إلا أن بعض العلماء استثنى من الذهب والفضة أن يكون من الحلي كالأسورة والقلائد ونحوها، فقال: يصح وقفية الحلي يعار للضعفاء والفقراء يتجملون به ويلبسونه، فهذا يخفِّف فيه بعض العلماء فيقول ستبقى القلادة، فحقيقة الوقفية منضبطة؛ لأن القلادة ستبقى، والمنفعة بالتزين ممكنةً، وهذه مسألة لها أصل تقدم في مسألة إجارة الحلي، وأيًا ما كان من حيث الأصل لا تصح وقفية الدراهم والدنانير، فلو قال: هذه مائة ألف وقف لم تصح وقفيتها.

وهنا مسألة انتشرت في بعض البلدان الإسلامية، ويوجد من يفتي بها وهي مسألة عجيبة، يقولون: يمكن للغني بدل أن يعطي الفقراء والضعفاء أموال الزكاة، قال بعض المتأخرين والباحثين بأنه يجوز أن تؤخذ هذه الزكاة وتبنى بها عمائر، أو تبنى بها محلات تجارية قبل إعطائها للفقراء ثم يؤخذ ريع هذه العمائر ويُتصدق به على الفقراء.

يقول: هذا أفضل من أن نعطيهم النقود لأنهم يضيعونها أو يتلفونها، ثم إن هذا استثمار يدر عليهم أرباحًا أكثر وأفضل مما لو أخذوا هذا المال، وهذه فتوى باطلة، لا تستند لاجتهاد صحيح؛ لأن الزكاة حق في المال للفقراء ومن سمى الله من أهل الزكاة كما قال تعالى: {وفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} [المعارج:24] ، فهذا يدل على أن الزكاة حق للمسكين، وإذا كانت حقًا للمسكين؛ فإن بناء العمارة بها، أو شراء الأرض من أجل بناء العمائر عليها، أو ما يستغل أو يستثمر يفتقر إلى وجود الإذن من المالك، والفقير ما فوّض الغني بأن يبني له، ولم يفوضه أن يقوم بهذا الاستثمار، فحينئذٍ يبنيها الغني على ملكه، ويصبح فعله هذا معطِّلًا للزكاة، ولا يترتب عليه ملكية المساكين وأهل الزكاة لهذا المال.

ثم إذا قلنا: إنها حق لمن سمى الله عز وجل من أهل الزكاة فمن الذي يستحق هذه العمائر من الأصناف الثمانية، ومن الذي تكون له هذه الاستثمارات؟ فمثل هذه الاجتهادات التي لا تستند إلى أصولٍ صحيحة، ولا تتفرع على أصول علمية ذكرها العلماء والأئمة؛ فإنه لا يعوّل عليها، ولا يلتفت إليها وهي باطلة.

فالشاهد من هذا أنه لا تصح وقفية الدراهم والدنانير؛ لأنه لا يمكن الانتفاع بها إلا بذهاب عينها؛ فإذًا لا يمكن أن تبقى وقفًا، وإذا انتُفع بها تعطلت الوقفية، وإذا بقيت وحُبِّست امتنعت عن المنفعة، فأصبح الأمر متناقضًا، ولذلك قال العلماء رحمهم الله: لا تصح وقفية الأثمان ولا المطعومات ولا الرياحين، ومثلوا بالرياحين؛ لأنها تُشَم وتُعصر فإذا شُمّت تلفت وفسدت وذهب ما فيها من النكهة والرائحة، وإذا عصرت أيضًا فسدت، فالمنفعة فيها موقوفة على إتلاف عينها، فلا تصح وقفيتها من هذا الوجه.

قال رحمه الله: [ويشترط فيه المنفعة دائمًا من عين ينتفع به مع بقاء عينه] (دائمًا) لأن الوقف على التأبيد، وذلك كما أشرنا إلى أن الوقفية لا تصح مؤقتة، فلو قال: أوقفت داري شهرًا، أو أوقفت مزرعتي سنة، فإن هذا لا يصح؛ لأن الوقف المؤقت باطل، فلابد وأن يكون الوقف على التأبيد، ولذلك يذكر العلماء من شروط صحة الوقف أن يكون على التأبيد.

فإذا كان الوقف على التأبيد فهو أن تبقى العين غالبًا، وأن يكون تحبيسها وإيقافها إلى الأبد.

قال رحمه الله: [كعقار وحيوان] (كعقار) أي كما لو أوقف عقارًا، كأن يوقف عمارة، أو يوقف بيتًا، ويجعله مسكنًا للأيتام والأرامل والمحتاجين، أو يوقف عمارة على طلاب العلم، أو على أهل العلم يأخذون ثمرتها وغلتها، فإذا أوقفها على طلاب العلم من أجل أن يسكنوا فيها كما في الأربطة فلا إشكال، ويكون استحقاقه من جهة السكن، وإذا أوقفها على أهل العلم على أنها تُستغل ويكون لأهل العلم أخذ غِلتها، فهذا شيء آخر، فيُقسم نتاج الأجرة كما هو معلوم.

[كعقار وحيوان] وقوله: (كعقار وحيوان) مثّل رحمه الله بالعقار والمنقول، والحيوان مثل الإبل والبقر والغنم، بأن يُوقِف الدابة ويوقف منافعها، يحبِّس الأصل ويسبّل الثمرة، وإذا سبّل الثمرة في البهيمة، فإما أن يسبّل ركوبها مثل البعير يجعله للركوب في سبيل الله عز وجل، سواءً للجهاد في سبيل الله، كأن يقاتَل عليه ويجاهد في سبيل الله عز وجل، وكذلك الفرس لو أوقفها في سبيل الله عز وجل، وتكون البهيمة محبّسة الأصل مسبّلة الثمرة أيضًا بأن يُتصدق بحليبها، فيُجعل حليبها كما في البقرة أو في الشاة، يحبِّس أصلها ويجعل حليبها صدقة للضعفاء والفقراء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت