فهرس الكتاب

الصفحة 1889 من 7030

وقوله: [ومسافر يقصر] .

أي: يباح الفطر للمسافر بشرط: أن يكون سفره سفر قصر، وسفر القصر هو: أن يكون المكان الذي يقطعه في سفره مسيرة يوم وليلة على الإبل المعتادة، وهذا يقرب من خمس وسبعين إلى ثمانين كيلومترًا، فمن قصد بلدة ومدينة تبعد عن مدينته ما بين خمس وسبعين إلى ثمانين كيلومترًا فإنه يباح له أن يفطر، وأما إذا كانت المدينة تبعد عنه أقل من ذلك كسبعين أو ستين كيلو مترًا فإنه لا يفطر، ولو كان الفرق يسيرًا ككيلومتر أو نصف كيلومتر عن المسافة المعتبرة فإنه لا يفطر، وقد استغرب بعض المتأخرين ذلك وقالوا: كيف تحدد مسافة السفر، فنقول لشخص قصد مدينة تبعد أربعًا وسبعين كيلومترًا لا يفطر، ومن قصد مدينة من خمسة وسبعين كيلومترًا يفطر؟ نقول: هذا تفريق من الشرع، ولذلك لما سئل عبد الله بن عباس عن القصر في السفر من مكة إلى مر الظهران والجموم، قال: لا، ولكن إلى جدة وعسفان والطائف.

فأجاز رضي الله عنه القصر إلى جدة، وكانت تبعد مسافة القصر، والطائف لأنها تبعد مسافة القصر، وعسفان لأن عسفان كان بينها وبين مكة مرحلة، والمرحلة هي مسيرة اليوم الكامل، وهذه مرحلة كاملة كانت بين عسفان ومكة، فأجاز القصر في هذه المسافة ولم يجز دونها، وكان ابن عمر كذلك يقصر إذا ذهب إلى مزرعته بوادي ريم، وريم تبعد عن المدينة فوق السبعين كيلومترًا، وهي مسافة المرحلة الكاملة.

وعلى هذا فإننا نقول: إن الله عز وجل أباح للمسافر أن يفطر، ولكننا لا نجيز في كل سفر الفطر ما لم يكن هذا السفر معتبرًا شرعًا، والسفر المعتبر شرعًا هو ما بلغ مسيرة اليوم والليلة، والدليل على اعتبار الشرع له أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة) فلو كان ما دون مسيرة اليوم والليلة يسمى سفرًا لقال عليه الصلاة والسلام: لا يحل لامرأة أن تسافر يومًا، أو: لا يحل لامرأة أن تسافر ليلة، أو: لا يحل لامرأة أن تسافر نهارًا، أو: لا يحل لامرأة أن تخرج من المدينة، لو كان كل خروج من المدينة سفرًا لقال: لا يحل لامرأة أن تخرج من المدينة، فلما قال عليه الصلاة والسلام: (أن تسافر) وقيد السفر بقوله: (مسيرة يوم وليلة) أخذ منه جمهور العلماء أن السفر هو مسيرة اليوم والليلة.

فمن قصد من بلده موضعًا يبعد مسيرة اليوم والليلة وقدره من خمسة وسبعين إلى ثمانين كيلومترًا فإنه يقصر ويفطر.

ويشترط في هذا السفر ألا يكون سفر معصية؛ لأن سفر المعصية لا يجوز للإنسان أن يفطر فيه؛ لأنه ليس بسفر معتبر شرعًا، فإن بلغ به الحرج والمشقة والضيق حل له الفطر من باب آخر لا من باب السفر.

والأصل في ذلك: أن الشرع لم يأذن له بهذا السفر، فصار كغير المسافر، وإنما يحل له أن يقصر وأن يفطر إذا كان سفره يعتبره الشرع سفرًا، وأما ما لم يعتبره الشرع سفرًا فإنه لا يفطر فيه، كالسفر إلى حرام وقطيعة رحم وعقوق والدين، فمثل هذه الأسفار لا يترخص صاحبها فيها، ولا يجوز له أن يفطر ولا أن يقصر الصلاة كما قررناه في باب صلاة المسافر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت