فهرس الكتاب

الصفحة 4501 من 7030

السؤالفي قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أفضل الصدقة: (أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر) ، هل فيه دليل على أن صدقة المعسر أو المسكين أفضل من صدقة الموسر أو الغني؟

الجوابباسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد: فالصدقة النسبية وصدقة الأحوال لا تقتضي التفضيل من كل وجه، وتوضيح ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: (أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخاف الفقر وتأمل الغنى) ، أي: في عز شبابك، تخاف الفقر كما يقال: يخاف المستقبل، وتأمل الغنى أي: أنه يرجو أمورًا صالحةً في مستقبله، فإذا جاء -مثلًا- يجمع مالًا لزواجه، فلو أراد أن يتصدق لجاءه الشيطان وقال له: كيف تتزوج إذا تصدقت؟ فهو حينئذٍ يأمل شيئًا من وراء جمع المال، فإذا تصدق مع وجود هذه الرغبات وهذه الشهوات، وآثر ما عند الله سبحانه وتعالى عظم أجره.

أما إذا كان في آخر عمره، فهذه أشياء نسبية، فما فضل كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم من حال العبد ألبتة بين ما يكون من وزر السيئة وأجر الحسنة على أحوال العمر مفرقًا على أحوال الأشخاص غنىً وفقرًا، وقوةً وضعفًا، وعزًا وذلًا، على حسب أحوال الإنسان كلها، ومنها الصدقة، فالصدقة في الأحوال لا تقتضي التفضيل من كل وجه، بمعنى: كأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: تدارك شبابك؛ فإن الصدقة في الشباب والقوة والحاجة إلى المال أعظم من الصدقة في غير ذلك، وهذا لا يمنع أن الغني يتبوأ من رحمةِ الله ما لا يخطر له على بال، فهذا عثمان رضي الله عنه أغدق الله عليه من المال والخير وجعل الله يده يد بركة، فما اشترى شيئًا إلا بورك له في صفقة يمينه، ومع ذلك كان أثرى الصحابة وأكثرهم صدقة، وجعل الله عز وجل صدقاته سببًا في رحمةِ الله له.

فوجود الغنى لا يمنع أن ينال الإنسان أجره وثوابه، فلو تصدق الإنسان وهو غني بالأموال الكثيرة، وستر العورات وفرج الكربات فله دعوات الناس، وله كذلك أجر تفريج الكربات التي فرجها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لما جاءه الصحابة وقالوا: (يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور) .

فهذا يدل على أن أهل الغنى يفوزون بالدرجات العلى، وأن الغنى يجعل الإنسان يفوز بالأجر الكثير، لكننا نبهنا على أن الصدقة تضاعف بحسب ما يكون من البلاء فيها، فبلاء الفقير في الصدقة أعظم من بلاء الغني، وهذا هو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (سبق درهم مائة درهم) ، فرجل لا يملك إلا درهمًا فتصدق به، ورجل يملك المال الكثير فأخرج من عرض ماله مائة درهم، فالمائة درهم إذا قورنت بجوار عشرات الألوف من الدراهم فإنها لا تتساوي شيئًا، والدرهم بجوار العشرة الدراهم يعتبر عشر المال، فإذا أخرجه فإنه يساوي شيئًا كثيرًا، وهذه مسألة نسبية، لكن لو أن غنيًا تصدق بعشرة آلاف ريال، فهي يسيرةٌ في ماله، لكن العشرة آلاف ريال فرجت كربة مكروب كان في أمس الحاجة إليها، فأجره عند الله عظيم: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} [الأنعام:132] ، والله سبحانه وتعالى لا يضيع أجره.

وهناك أمرٌ لا بد من وضعه في الحسبان: وهو وجود الدعوات، ووجود الأمور التي تحتف بالصدقة؛ كالإخلاص والصدق والرغبة وعدم الغرور؛ والقبول من الله سبحانه وتعالى مقرون بمثل هذه الاعتبارات، ومن هنا قول بعض العلماء رحمهم الله وهو قول معتبر في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (للعامل فيض مثل أجر خمسين) .

فجعل أجر العامل في أيام الشدة -كأيامنا، نسأل الله عز وجل أن يجعل ذلك- أو أيام الفتن الشديدة، كأجر خمسين رجلًا، فإذا جاء الإنسان يتصدق، تكلمت عليه زوجته، وتكلم عليه أولاده، وجاءه الخوف أنه لا يستطيع أن يؤمن مستقبله كما يقولون، وجاءته الضائقة في دراسته وفي عمله ووظيفته من جهة أنه كان يريد سيارة يركبها، ويريد بيتًا يسكنه، فهذه الأمور كلها التي آثار مرضاة الله عز وجل عليها في وجود مضاعفة الحسنات وجزيل الثواب على صدقته، فينال بها أضعاف أضعاف ما كان يؤمل مما لو تصدق في عهد الصحابة رضوان الله عليهم، فإن الرجل إذا تصدق في عهد الصحابة جزته أمه خيرًا وجزاه أبوه خيرًا، وأثنى عليه الناس وأحبوه وذكروه بالخير، أما اليوم فقل أن يجد من يعينه على الحق؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إنكم تجدون على الحق أعوانًا، ولا يجدون على الحق أعوانًا) ، فجعل مضاعفة أجر العامل في أيام الصبر بأجر الخمسين لعدم وجود المعين على الحق.

فدل على أن الجزاء والثواب يضاعف فيما يحيط به من البلاء والفتن، ومن هنا تكون صدقة الغني لها أجرها وصدقة الفقير لها أجرها، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت