التنبه إلى مسألة مهمة وهي: أن عددًا من الناس إذا قرؤوا ردود الشيخ التي تتميز بالحدة في كثير من الأحيان لا يتصورون أن الشيخ رقيق القلب؛ لأنهم يرون الحدة في الأسلوب. لقد سألت أحد طلابه الذين صلوا معه صلاة التراويح عن آيات بكى الشيخ فيها؟! فقال:[قرأ مرة سورة غافر حتى بلغ قصة المؤمن، والتي فيها: (( وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ
ج- )) (غافر:41) . فسمع نشيجه فيها]. ويقول: [كان يرتاح بعد كل ركعتين، وبعض الطلاب كان يريد انتهاز الفرصة بين كل ركعتين؛ ليتقدم ويسأل الشيخ، فكان الشيخ يقول: هذا وقت عبادة وليس وقت تعلم، ولا يجيب في هذا الوقت] .
د-أحيا سنة تسوية الصفوف في الصلاة والتراص فيها، وإنني ألفت النظر إلى أن بعض الإخوة ربما لا يطبقون هذه المسألة بشكل صحيح، وإنما يتشددون في الصفوف، ويلاحقون المصلين بأقدامهم، ويعملون خططًا عسكرية!! فيقول: أنا أفتح رجلي، وبعضهم يقول: أنا أضم رجلي جدًا، وأقرب الرجل هذا بجانبي، ثم إذا جاء الناس من الطرف الثاني فتحت رجلي!! فقضيت على الفراغات، فيجب أن يكون تطبيق السنة بفقه، مع مراعاة المصلحة الشرعية، ومراعاة المفاسد. والناس إذا لم يألفوا السنة، فلا بد من التمهيد النظري قبل التطبيق العملي، فلو أن إماما أراد أن يعمل بسنة في الناس، فعلمهم إياها أولًا نظريًا، وقرأها عليهم، ثم بعد ذلك عمل بها لما أنكر عليه الناس. أما أن يأتي إلى واحد لا يعرف ذلك ولا يطيق أن يمس إنسان قدمه، ولا أصبعه فينشغل جدًا بصلاته، ويفسد عليه خشوعه فهذا ما لا ينبغي فعله.فمن أجل العمل بالسنة ومن الحكمة في تنفيذها، وتطبيقها تعليمها الناس ثم العمل بها، وهذا ما ينقص بعض الذين تتلمذوا على كتب الألباني، فربما يؤدي في الوقوع إلى محرم من أجل سنة.
أهم صفاته:
1.العصامية والجلد والصبر، وليس في القراءة فقط، وإنما حتى في أموره الشخصية، فمثلًا: أصابته بعض الأورام فقرأ في كتاب أحد الأطباء أنه إذا صام ولم يأكل شيئًا وإنما يقتصر على الماء أربعين يومًا، فيكون علاجًا، فبقي أربعين يومًا يعيش على الماء، قال: [وكان في هذه المدة يباشر النشاط نفسه في دروسه، ومطالعته، وقراءته، وكتابته؛ حتى في ذهابه للدعوة في حلب، فيركب الباص وهو صائم عن المأكولات. يقول الشيخ عن نفسه: [ونزلنا في حمص، في محطة الحافلات، وفيها مطعم مشويات، وفتنت فتنةً شديدة لرائحة الشواء، وأنا صائم على الماء] ومع ذلك صبر فما تناول شيئًا حتى اقترب وقت إقلاع الحافلة فركب ومشى، فهذه ميزة تميز بها -رحمه الله-.
2.ومن صفاته سعة الصدر في النقاشات: فقدناقش مخالفين له، ومبتدعة، ومتعصبة، وكان في نقاشاته صاحب طريقة فريدة في النقاشات فكان يعمل الخطوات الآتية: يحدد نقطة الخلاف؛ لأن كثيرًا من المتحاورين قد لا يكون بينهم خلاف، ولكن في الحقيقة بسبب سوء العبارات، وعدم معرفة المدخل الصحيح في النقاش لا يصلون إلى نتيجة، ولو أنهم حددوا نقطة النقاش والخلاف من بداية النقاش لما ضيعوا هذه الأوقات، ثمبعد ذلك يعرض كل من الطرفين رأيه ثم يتكلم الشيخ أو الطرف الآخر، ويصغي الشيخ له ولا يقاطعه، ولا يتدخل في كلامه، ثم إذا أراد أن يرد لخص كلام الشخص الآخر؛ حتى يتأكد أنه فهم كلامه بشكل صحيح ثم يكر عليه بالرد. وهكذا.
3.ومن صفاته الإتقان: (إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملًا أن يتقنه) ولذلك تتأخر كتبه في الطبع؛ لأنه يريد أن يدقق ويراجع بنفسه، وكان لا يعتمد على الآخرين لمراجعات، ويدقق حتى في علامات الترقيم: الفاصلة، والنقطة، والسهم، والقوس، حتى نوعية الأقواس وهكذا.
وفي ذات مرة أتوا له بجهاز الحاسوب وقالوا: هذا يأتي بالأحاديث وبالرجال، ولم يكن الشيخ عنده اقتناع بهذا، فقال لمن معه: ابحث لي في هذا الجهاز عمن قال فيه ابن حبان: [لا أعرفه ولا أعرف أباه] فكتب أحد الناس في الحاسوب العبارة، فخرجت مجموعة فقال الشيخ: لحظة وأخرج دفتره؛ لأن مثل هذه القواعد يكتبها، وكان الشيخ قد أحصى كل من قال فيه ابن حبان: لا أعرفه ولا أعرف أباه، فقال يوجد خطأ، فإنه توجد مخالفة اثنين بين أوراقي والحاسوب قال: فنظرنا فبحثنا، فوجد أنه قد فاته واحدًا فعلًا، وأن الحاسوب أخطأ في الثاني.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)