وهؤلاء الذين يشتغلون بالأرواح كما يزعمون، أو بالجن كما نرى نحن، يرجعون إلينا بأخبار ملفقة، لا مكان لتصديقها لا باسم العلم ولا باسم الدين ... إن التدين الفاسد يؤثر الخلط بين أمور مغيبة وأمور مشاهدة. لأن في هذا الجو ثغرة واسعة لنفاذ الخرافات والأباطيل. وقديما اشتغل اليهود بالسحر. والسحر جملة من المعارف البدائية الكونية مخلوط بشئ غير قليل من الخداع والخبث. ويستطيع المحتالون أن يخيلوا به على الأعين، وأن يؤثروا به في السذج .. !! والغريب أن ما اشتغل به اليهود إبان انحلال عقائدهم وفساد عبادتهم هو ما اشتغل به نفر من المسلمين في العصور الأخيرة. نفر جعلوا للحروف أعدادا وأسرارا، وللنجوم مطالع سعود ونحوس، وللخيوط المحلولة والمربوطة، والهمهمات الواضحة والغامضة، عواقب بالصحة والمرض والنجاح والسقوط ... والجن طبعا من وراء هذا الدجل .. أهذا مسلك يباركه العلم؟ كلا! أهذا مسلك يعرفه الدين؟ كلا! إن دين الله ودنيا الناس فوق هذا الهذر .. !! لقد قصرنا في ميدان العلوم المدنية تقصيرا شائنا. ولو أن رجلا أجنبيا قارن بين مرامى كتابنا وتصويره للأرض والسماء وما بينهما. وبين واقع حياتنا وتصورنا للأرض والسماء وما بينهما. لوجد البون بين الأمدين هو بعد المسافة بين الحق والخرافة. من أجل ذلك يجب أن نضاعف السير لتعويض ما فاتنا، وإدراك من سبقنا، فإن جهلنا بالحياة كان معصية الله، وإساءة لدينه. وكان إزراء بنا، وشقاء لحقنا بعده ما لحقنا من الأذى والعنت ...