وقد يكون استحضار هذا المعنى الجامع متعذرا مع تشعب التفاصيل التى غرقوا فيها ... فإن جمال امرئ ما، لا يعرف من تسليط عدسة مكبرة على جزء من جسمه، وإنما يعرف قبل كل شئ من التقاط صورة عامة لملامحه متناسقة مترابطة. ومن هنا كان لابد من تصوير حياة الرسول للناس تصويرا يهدى بجلاء عبادته وجهاده وخلقه وقضاءه وسلمه وحربه وإقامته وسفره وسلوكه في بيته ومع الناس ... الخ. وعلى ضوء هذه الصورة الشاملة يمشى المسلمون. وهذه الصورة هى حجر الزاوية في السنة، ومنها تتفرع سائر البحوث التى يعنى بها الأخصائيون وحدهم ... أما قضاء بضعة شهور مثلا في قراءة ألف حديث تتصل بأبواب الوضوء، فذاك جهد لا تصلح به حال المسلم من أوساط الناس، ولا تخدم به السنة ... !! ثم إن حياة محمد صلى الله عليه وسلم هى التطبيق العملى لتعاليم القرآن الكريم، كما أن القرآن الكريم هو الجانب العلمى من هذه الرسالة الشاملة. ولذلك لا يمكن أن يكون هناك تفاوت بين الكتاب والسنة، أى أنه لا مكان في السنة لأثر يخالف روح القرآن العامة، أو أحكامه المحددة. فإذا بدا ما يوهم ذلك في بعض المرويات فنحن لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا لقول أحد من الناس: إن رسول الله قال كذا أو كذا ... ويؤسفنا أن تنشر خلال القرون السالفة أحاديث كثيرة كانت بعيدة الأثر في إفساد تصور العامة لحقائق الدين والدنيا. بل كانت قيودا ثقالا في منع الأمة من الحركة، وشل نشاطها النفسى والفكرى، أو تصريفه في أعمال عديمة الجدوى ... !! وهذه الأحاديث بعضها موضوع، وبعضها ضعيف، وبعضها صحيح حرفته عن موضعه العقول! القاصرة والأفهام الكليلة ... فأصبح ضرره أكثر من نفعه ... !! وكان إقبال العامة على هذه الأحاديث صارفا للهمم عن الاشتغال بالقرآن نفسه. مع أن القرآن هو الأصل الأول للإسلام .. 059