لقد حارب هتلر الروس ضاربا بآراء قواده عرض الحائط، فكانت هذه أولى مصائبه. تم رفض خطة أولئك القادة لمنع نزول الحلفاء بشواطئ فرنسا ونفذ خطة من تفكيره هو وتفكير بعض متملقيه، فكان أن فتحت الجبهة الثانية. ثم وقع الألمان بين شقى الرحى. وتحول انتصارهم الأول اندحارا من أبشع ما روى التاريخ ... ذلك أن الأمور لا تصلح أبدا برجل واحد يدعى العلم بكل شئ ويعتقد أن العناية حبته بما حرمت منه سائر الخلق ...!! ويؤسفنا أن نقول: إن تاريخنا العلمى والاجتماعى والسياسى كان ينزل خلال القرون الأخيرة من مزالق إلى منحدرات، ومن منحدرات إلى هاويات، لأن أزمة النشاط المادى والأدبى كانت في أيدى أفراد يكرهون النقد، ولا يحبونه من أحد، ولا يسمحون بجو يوجده وينعشه ... والغريب أن هؤلاء الرجال ـ عندما يوزنون بحساب النبوغ والقدرة ـ لا ترجح بهم كفة. فكيف يصلح بهم وضع، أو تقوم بهم نهضة، أو تنشط بهم قوة للبناء والإنتاج؟؟؟
حاجة المسلمين إلى الحريات البناءة ـ في تاريخهم الأخير ـ أزرت بهم، وحطت مكانتهم ... على حين نعمت أجناس أخرى بتلك الحريات، فتحركت بقوة، ثم اطرد سيرها في كل مجال، فإذا هى تبلغ من الرفعة أوجا يرد الطرف وهو حسير. وزاد الطين بلة شئ آخر .. أننا عندما اتصلنا بالغرب في أثناء القرنين الماضيين، وشعرنا بضرورة الاقتباس منه والنقل عنه، كانت أفهامنا من الصغار ـ ولا أقول من الغفلة ـ بحيث لم تلتفت إلا للتوافه والملذات ... فالحرية التى تشبثنا بها، ليست هى حرية العقل في أن يفكر ويجد ويكتشف .. بل حرية الغريزة في أن تطيش، وتنزو، وتضطرم ..!! وسرعان ما احتلت الملابس الأوروبية أجسامنا، والأثاث الأوروبى بيوتنا، والعادات ا لأوروبية ـ في الأكل والنوم ـ أحوالنا ... أما تألق الذهن! وجودة التفكير، وإطلاق القوى البشرية من مرقدها تسعى وتربح .. فذاك شأن آخر. 048