و يقدم الأشتر نحو الجمل فوقف له ابن الزبير فتقاتلا، و لهذا شاهد من حديث أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (11/ 108) و (15/ 257) بإسناد رجاله ثقاة: أن الأشتر و ابن الزبير التقيا فقال ابن الزبير: فما ضربته ضربة حتى ضربني خمسًا أو ستًا، ثم قال: فألقاني برجلي ثم قال: والله لولا قرابتك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما تركت منك عضوًا مع صاحبه، قال: و قالت عائشة: واثكل أسماء، قال: فلما كان بعد أعطت الذي بشرها به أنه حي عشرة آلاف.
أما قصة صراع ابن الزبير مع الأشتر و قول ابن الزبير اقتلوني و مالكًا، تعارضها الروايات الصحيحة، فقد أخرج الطبري (4/ 520) بسند صحيح عن علقمة أن الأشتر لقي ابن الزبير في الجمل فقال: فما رضيت بشدة ساعدي أن قمت في الركاب فضربته على رأسه فصرعته. قلنا فهو القائل اقتلوني و مالكًا؟ قال: لا، ما تركته و في نفسي منه شيء، ذاك عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، لقيني فاختلفنا ضربتين، فصرعني و صرعته، فجعل يقول اقتلوني و مالكًا، و لا يعلمون من مالك فلو يعلمون لقتلوني. و أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (15/ 228) .
هنا وصل القعقاع إلى الجمل فخاف على أم المؤمنين أن تصاب فبدأ ينادي بالانسحاب فأخذ الجمل محمد بن طلحة بن عبيد الله فقتل رضي الله عنه فأخذ القعقاع الجمل و سحبه خارج المعركة.
أخرج ابن أبي شيبة في المصنف (15/ 285) بسند صحيح أن عبد الله بن بديل قال لعائشة: يا أم المؤمنين أتعلمين أني أتيتك عندما قتل عثمان فقلتُ ما تأمريني، فقلتِ الزم عليًا؟ فسكتت فقال: اعقروا الجمل فعقروه قال: فنزلت أنا و أخوها محمد و احتملنا الهودج حتى وضعناه بين يدي علي، فأمر به علي فأدخل في بيت عبد الله بن بديل. و أورده الحافظ في الفتح (13/ 62) .
هنا علي رضي الله عنه أصدر الأوامر بأن لا تلحقوا هاربًا و لا تأخذوا سبيًا فثار أهل الفتنة و قالوا: تحل لنا دمائهم و لا تحل لنا نسائهم و أموالهم؟ فقال علي: أيكم يريد عائشة في سهمه، فسكتوا، فنادى لا تقتلوا جريحًا و لا تقتلوا مدبرًا، و من أغلق بابه و ألقى سلاحه فهو آمن.البيهقي في السنن الكبرى (8/ 182) و ابن أبي شيبة في المصنف (15/ 257) و (15/ 286) بإسناد صحيح.
و أخرج الشافعي في الأم (4/ 308) من رواية علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال: دخلت على مروان بن الحكم، فقال: ما رأيت أحدًا أكرم من أبيك، ما هو إلا أن ولينا يوم الجمل فنادى مناديه لا يقتل مدبرًا و لا يذفف على جريح. و أورده الحافظ في الفتح (13/ 62) .
و كان علي رضي الله عنه يطوف على القتلى و هم يدفنون، ثم سار حتى دخل البصرة فمر على طلحة
و رآه مقتولًا فجعل يمسح التراب عن وجهه و يقول: عزيز عليّ أبا محمد أن أراك مجندلًا تحت نجوم السماء، ثم قال: إلى الله أشكو عجري و بجري - أي همومي وأحزاني - و بكى عليه و على أصحابه. تاريخ دمشق (25/ 115) و أسد الغابة لابن الأثير (3/ 88 - 89) .
بعدها ذهب إلى بيت عبد الله بن بديل الخزاعي لزيارة عائشة و الاطمئنان عليها فقال لها: غفر الله لكِ، قالت: ولك ما أردت إلا الإصلاح بين الناس. شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (1/ 206) . و نقل الزهري في المغازي (ص154) قولها: إنما أريد أن يحجز بين الناس مكاني، و لم أحسب أن يكون بين الناس قتال، و لو علمت ذلك لم أقف ذلك الموقف أبدًا. و هذا هو الصحيح بخلاف من قال بأن عائشة نزلت في بيت عبد الله بن خلف الخزاعي.
ثم قام علي بتجهيز عائشة و إرسالها إلى مكة معززة مكرمة، و هذا الفعل من علي رضي الله عنه يعد امتثالًا لما أوصاه به النبي صلى الله عليه وسلم، حيث أخرج الإمام أحمد في المسند (6/ 393) بسند حسن من حديث أبي رافع رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: إنه سيكون بينك و بين عائشة أمر، قال: فأنا أشقاهم يا رسول الله؟ قال: لا، ولكن إذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها.
و أخرج الحاكم في المستدرك (3/ 119) عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم خروج بعض أمهات المؤمنين، فضحكت عائشة رضي الله عنها فقال: انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت، ثم التفت إلى علي فقال: إن وليت من أمرها شيئًا فارفق بها.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)