الضابط الثاني: أن الحكم على الشخص المعين يتوقف على توفر شروط وانتفاء موانع، وهي ثلاثة:
المانع الأول: الإكراه، فيشترط ـ في الحكم على المعين ـ أن يقع الفعل عن إرادة واختيار.
والدليل على ذلك: قوله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} وقوله صلى الله عليه وسلم: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) .
المانع الثاني: الجهل، فيشترط ـ في الحكم على المعين ـ إقامة الحجة عليه حتى يعرف أن فعله هذا مخالف للدليل الصحيح.
والدليل على ذلك: قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} .
وقيام الحجة"يختلف؛ باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص؛ فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان، وفي بقعة وناحية دون أخرى، كما أنها تقوم على شخص دون آخر؛ إما لعدم عقله وتمييزه، كالصغير والمجنون، وإما لعدم فهمه كالذي لا يفهم الخطاب ولم يحضر ترجمان يترجم له، فهذا بمنزلة الأصم الذي لا يسمع شيئا ولا يتمكن من الفهم".
المانع الثالث: الخطأ في الاجتهاد وهو التأويل، فيشترط ـ في الحكم على المعين ـ أن تقع منه المخالفة على وجه مذموم.
قال ابن تيمية:"فلا يلزم إذا كان القول كفرا أن يكفر كل من قاله مع الجهل والتأويل".
والدليل على ذلك: قوله تعالى: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم} وقوله صلى الله عليه وسلم: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) .
والمتأول المعذور هو الذي توفرت فيه الشروط الآتية:
1.أن يكون من أهل النظر والاجتهاد.
2.أن يكون معه أصل الإيمان بالله سبحانه.
3.أن يكون ذا نية صادقة في طلب الحق وابتغاء الصواب.
4.أن يبذل جهده ووسعه في البحث والنظر.
فهذا وأمثاله لا يقع منه الخطأ إلا فلتة، وهذه تسمى زلة، وهو معذور ـ مهما بلغ خطؤه ـ ثم إن هؤلاء يرجعون إلى الحق متى تبين لهم.
أسأل الله أن يرشدنا إلى أحسن الأقوال والأفعال.
أبو يمان
فضيلة الشيخ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد
فيعجب المطالع لكتب الفقه من كثرة النواهي الشرعية التي يجد أن جمهور الفقهاء صرفوها عن التحريم إلى الكراهة وكثرة الأوامر الشرعية التي صرفت إلى الإستحباب بحيث يقف طالب العلم حائرا متى يصرف الأمر والنهي عن ظاهره ومتى لا يصرف؟
نرجو من فضيلتكم أن يعطينا ضابطًا جليًا فاصلًا للحالات التي يبقى فيها الأمر والنهي على أصلهما والحالات التي تصرف عن الأصل.
الجواب: أشكرك أخي الكريم على هذا السؤال المهم. وأقول:
الأصل في الأمر والنهي أن يحمل كل منهما على ظاهره، ولا يترك هذا الظاهر إلا بقرينة توجب الصرف عنه.
إلا أن القرائن كثيرة منتشرة.
وهي متفاوتة: تختلف بحسب المسائل، وبحسب الناظرين، ويعتري بعضها الاختلاف ويرد عليه الاجتهاد.
ثم هذه القرائن منها ما هو دليل آخر مستقل، ومنها النقلي والعقلي، ومنها دليل تابع متصل باللفظ.
ومنها: ما يؤخذ من السياق، ومنها ما يعرف من مقصود الشارع وعادته، ومنها ما يدرك بعد جمع النظائر والأشباه.
والتعرف على القرائن يحتاج ولابد إلى معرفة واسعة بالنصوص وما يحيط بها وإلى علم باللغة وبالقواعد الأصولية وقواعد الشريعة الكلية.
فالقرائن إذن بحاجة إلى أصول تُرد إليها وتحكمها، وقواعد كلية تجمعها.
ومسألة القرائن لا تزال بحاجة ماسة إلى دراسة تأصيلية تطبيقية، فهل من مشمر؟
هذا آخر ما يسَّر الله تدوينه إجابة على أسئلة الإخوة المشاركين في ملتقى أهل الحديث نفع الله به وبهم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.