(إلا أن قولنا مندوب إليه في العرف أنه قد بعث عليه من غير إيجاب وقولنا مرغب فيه أنه قد بعث المكلف على فعله بالثواب ويفيد في العرف ما هذه سبيله مما ليس بواجب ويوصف أنه مستحب ومعناه في العرف أن الله سبحانه قد أحبه وليس بواجب وقولنا نفل يفيد أنه طاعة غير واجبة وأن للإنسان فعله من غير لزوم وحتم وكذلك وصفنا له بأنه تطوع يفيد أن المكلف انقاد إليه مع قربة من غير لزوم وحتم ويوصف بأنه سنة ويفيد في العرف أنه طاعة غير واجبة ولذلك نجعل ذلك في مقابلة الواجب لو قال أهذا الفعل سنة أو واجب.
وذكر قاضي القضاة أن قولنا سنة لا يختص بالمندوب إليه دون الواجب وإنما يتناول كل ما علم وجوبه أو كونه ندبا بأمر النبي صلى الله عليه و سلم، وبإدامة فعله لأن السنة مأخوذة من الإدامة ولذلك يقال إن الختان من السنة ولا يراد أنه غير واجب.
وحكي عن بعض الفقهاء أن قولنا سنة يختص بالنفل دون الواجب وهذا أشبهه من جهة العرف.
ويوصف بأنه إحسان إذا كان نفعا موصلا إلى الغير قصدا إلى نفعه، ويوصف بأنه مأمور به لأن أمر الله تعالى قد تناوله.
فهذه هي الأوصاف التي تختص الندب).
ومن هذا النقل نستخرج ثلاثة أمور:
1.أن للمندوب ستة ألقاب: مرغب فيه ومستحب ونفل وتطوع وسنة وإحسان.
2.أن القاضي عبد الجبار يذهب إلى أن لفظ (السنة) يتناول الواجب والمندوب، ولا يختص بالمندوب وحده.
3.أن مستند إطلاق لفظ (السنة) على النفل دون الواجب هو العرف، ومن ذلك: السنن الرواتب.
أبو حفص السكندرى
سؤال أخر يا شيخ:
هذا الموضوع طرحته في الملتقى ولم يحظى بإهتمام الإخوة و لم ألقى أى رد و هو مازال مشكل جدا عندى و الحمد لله أن أكرمنا الله بلقائكم لأنه يتعلق بالبدع و تحديدها و معرفتها
وكنت قد جعلت عنوانه _
تسويغ الخلاف في التصحيح والتضعيف و ما يترتب عليه من التبديع و الإنكار.
كيف يكون الخلاف في الحكم على حديث معين خلافا سائغا و يكون الخلاف فيما يترتب عليه من العمل سائغا و في نفس الوقت يبدع أحد الفريقين فعل الأخر؟
مثاله:
حديث صلاة التسابيح
البعض يصححه و البعض يضعفه فعند من قال بصحته الصلاة مشروعة
و عند من قال بضعفه الصلاة لا تجوز و يقول ببدعيتها و في نفس الوقت يقول أن الحديث يحتمل التصحيح لذلك لن ينكر على من يصليها!!
كيف يعتقد أنها بدعة و لكن لا يجوز إنكارها؟
أنا لا أريده أن ينكر و لكن أريده من الأصل ألا يدخلها في باب البدع و أن نفرق بين ما جاء فيه دليل ضعيف و يحتمل التصحيح عند البعض و بين ما جاء فيه دليل تالف أو لم يرد عليه دليل أصلا.
فيكون الأول من باب الخلاف السائغ و لا ندخله في باب البدع من الأصل.
و يكون الثانى من باب البدع التى تستوجب الإنكار.
أما أن نقول (فعله بدعه و لكن لا إنكار فيها) فهذا لا أهضمه.
نرجوا التوضيح من شيخنا الكريم
الجواب: الأمر في ذلك واضح، ولله الحمد.
وهو أنه متى أمكن رد قول ما من الأقوال إلى دليل شرعي فإن هذا القول لا يعد بدعة.
قال الشاطبي في مسألة من مسائل الفروع:"فمثل هذا لا بدعة فيه لرجوعه إلى أصل شرعي".
والمقصود أن البدعة لا تدخل في المسائل الاجتهادية؛ إذ لا ابتداع في مسائل الاجتهاد، كما قال بعضهم:"وليس من شأن العلماء إطلاق لفظ البدعة على الفروع".
والحاصل أن الاجتهاد يرفع البدعة، فمتى ثبت كون المسألة اجتهادية فلا يصح إطلاق البدعة على من خالف فيها، ومتى ثبت كون القول أو الفعل بدعة في مسألة من المسائل كان هذا دليلا على أن هذه المسألة لا مدخل فيها للاجتهاد.
والدليل على أن المخالفة في المسائل الاجتهادية لا تكون بدعة أمور ثلاثة:
1.أن المسائل الاجتهادية ليست محل افتراق، فقد وقع اختلاف بين الصحابة والتابعين، ولم ينسب المخالف منهم إلى البدعة والضلالة.
2.أن الاختلاف المشروع في مسائل الاجتهاد كله سعة ورحمة، وأما البدعة فإنها لا تكون إلا باب شر وضلالة.
3.أن المسائل الاجتهادية لها حظ معتبر من الدليل الشرعي، بخلاف مسائل الابتداع؛ فإنها ـ عند التحقيق ـ ليس لها حظ معتبر من الدليل الشرعي.
وبناء على ذلك فإن قولك في السؤال صحيح لا غبار عليه:
( ... أن نفرق بين ما جاء فيه دليل ضعيف و يحتمل التصحيح عند البعض و بين ما جاء فيه دليل تالف أو لم يرد عليه دليل أصلا.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)