(وقد قال طوائف من السلف و الخلف أنه يقعده معه على العرش و أنكر ذلك آخرون)
وانظر لدقته رحمه الله حيث قال (في درء تعارض العقل والنقل)
(00وفيها أشياء عن بعض السلف رواها بعض الناس مرفوعة كحديث قعود الرسول صلى الله عليه وسلم على العرش رواه بعض الناس من طرق كثيرة مرفوعة وهي كلها موضوعة وإنما الثابت أنه عن مجاهد وغيره من السلف وكان السلف والأئمة يروونه ولا ينكرونه ويتلقونه بالقبول
وقد يقال: إن مثل هذا لا يقال إلا توفيقا لكن لا بد من الفرق بين ما ثبت من ألفاظ الرسول وما ثبت من كلام غيره سواء كان من المقبول أو المردود).
السؤال: هل المقام المحمود ما ذكره بعض العلماء من أن الله سبحانه وتعالى يُجلس الرسول صلى الله عليه وسلم على العرش [222] ؟
الجواب: هذا إنْ صح فهو من المقام المحمود لا شك، إذا صح فهو من المقام المحمود، (قاله ابن عثيمين في السفارينيه) .
قال بعض طلبة العلم: فالأثر ضعيف لا تثبت به حجة، وإنكار عبد الله بن الإمام أحمد إنما هو من باب الإنكار على أهل البدع الذين ينكرون الصفات، لإن الأثر فيه صفة الإستواء والعلو، وفيه كذلك إثبات الرؤية وغير ذلك، فكأن ابن الإمام أحمد لم يقصد قضية الجلوس على العرش.
ولو قصد ذلك فلا يثبت مثل هذا بهذه الموقوفات الواهيات، خصوصا أنه مخالف لما في الصحيحين من أن المقام المحمود هو الشفاعة العظمى. والله تعالى أعلم
قال الشوكاني في تفسيره
(لثالث: أن المقام المحمود: هو أن الله سبحانه يجلس محمدًا صلى الله عليه وسلم معه على كرسيه، حكاه ابن جرير عن فرقة منهم مجاهد، وقد ورد في ذلك حديث. وحكى النقاش عن أبي داود السجستاني أنه قال: من أنكر هذا الحديث فهو عندنا متهم، ما زال أهل العلم يتحدّثون بهذا الحديث. قال ابن عبد البرّ: مجاهد وإن كان أحد الأئمة بالتأويل، فإن له قولين مهجورين عند أهل العلم: أحدهما هذا، والثاني في تأويل {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22 23] . قال: معناه تنتظر الثواب، وليس من النظر. انتهى)
قال الراجحي في شرحه (لكتاب الاعتقاد لا بن الفراء)
كل هذه الآثار استدل بها بعض العلماء على أن المقام المحمود أنه يجلسه على العرش يوم القيامة، هذا مروي عن ابن عباس ومجاهد وعائشة وعمر بن الخطاب، وقال الإمام أحمد تلقاها العلماء بالقبول، وقال عبد الله: أنا منكر على كل من رد هذا الحديث.
والقول الثاني وهو القول المشهور: أن المقام المحمود هو الشفاعة العظمى في موقف القيامة، وهذا مروي عن ابن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وابن عمر، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله، والحسن، وهي رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد، وهو قول الجماهير أنه الشفاعة العظمى، وقال شيخ الإسلام رحمه الله: هذه الآثار أنه يجلس على العرش ليست مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بعضهم رواها مرفوعة عن النبي صلى الله عليه وسلم لكن موضوعة، الأحاديث التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يجلسه على العرش"هذه موضوعة، لكن كلها مروية موقوفة على ابن عباس، وعلى عائشة، وعمر، وموقوفة على مجاهد؛ ولهذا قال شيخ الإسلام: الثابت عن مجاهد وغيره من السلف، وكان السلف والأئمة يروونه ولا ينكرونه.
وعلى هذا فلا مانع أن يقال: إن المقام المحمود هو الشفاعة العظمى، ويجلس على العرش، يكون منهم، يكون الأمران. وإن لم يكن السلف الآن أحد قال بهذا القول؛ يعني الجمهور قالوا بالقول الأول: أنه الشفاعة، وقال آخرون: إنه إجلاسه على العرش، لكن لا مانع أن يكون ما دام أن العلماء تلقوه بالقبول كما قال الإمام أحمد، فيكون من إكرام الله لنبيه يكون: الشفاعة العظمى، وإجلاسه على العرش.
والشوكاني في تفسيره نقل عن عبد البر أنه قال:"مجاهد وإن كان أحد أئمة التأويل إلا أن له قولين ومهجورين عند أهل العلم أحدهما هذا -إقعاد الرسول صلى الله عليه وسلم على العرش، وهذا من الأقوال المهجورة."
كيف يكون من القول المهجور، والإمام أحمد يقول: تلقته الأمة بالقبول؟ هذه قد يكون بعض العلماء قال بهذا، لكن كما سبق، المشهور أن المقام المحمود هو الشفاعة العظمى، ولا مانع أن يكون إجلاسه على العرش جزء منه. نعم.
وقال الراجحي في شرحه للابانه الصغرى
وأنه يأتي يوم القيامة وهو أشرف الأنبياء -صلى الله عليه وسلم- مقاما، وأعلاهم مكانا، وأقربهم من الله -عز وجل-، وأحبهم إليه، فَيَشْفَعُ فَيُشَفَّعُ، ويسأل فيُعْطَى، ويجلس مع ربه على العرش، وليس هذا لأحد غيره.
نعم، كل هذا ثابت أنه يأتي يوم القيامة -عليه الصلاة والسلام- فيشفع، وهو أشرف الأنبياء وأفضلهم على الإطلاق مقاما، وأعلاهم مكانا، وأقربهم من الله -عز وجل- وأجلهم إليه فيَشفع فيُشَفِّعُه الله الشفاعة العظمى لأهل الجنة، ويأذن لهم في دخولها، ولعمه أبي طالب وللعصاة، يشفعه الله فيهم، ويسأل الله فيعطَى،"ويجلس مع ربه على العرش، وليس هذا لأحد غيره".
هنا كلام لأهل العلم، وهو إقعاد النبي -صلى الله عليه وسلم- جاء في مسند الإمام أحمد وغيره: وأن المقام المحمود أن يقعده ربه معه على العرش ومن العلماء من قال: إن إقعاده على العرش لم يثبت، إنما جاء في آثار عن مجاهد.
وفي الصحيح عن مجاهد، ومجاهد يروي عن ابن عباس، وجاء فيه أحاديث مرفوعة، لكن بعض أهل العلم لم يصحح الأحاديث المرفوعة في إقعاده على العرش.
وذكر شيخ الإسلام ابن القيم: أن هذا يثبته أهل السنة، وأنه لا يردُّ هذا إلا الجهمية، وعلى هذا فإذا ثبت يكون المقام المحمود شيئان: الشفاعة، وإقعاده على العرش، ويكون هذا من خصائصه -عليه الصلاة والسلام-نعم.
كذا روى نافع، عن ابن عمر، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا قال: يقعده معه على العرش، وهكذا فسره مجاهد فيما رواه محمد بن فضيل، عن الليث عنه.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)