فلم أرَ قَبلي مَن مَشَى البحرُ نحوَهُ ولا رَجُلًا قامَتْ تُعانِقُهُ الأُسْدُ
(3) وقال في مدح سيف الدولة [1] :
أمَا تَرَى ظَفَرًا حُلْوًا سِوَى ظَفَرٍ تَصافَحَتْ فيهِ بِيضُ الهِنْدِ وَاللِّممُ [2]
(1) وقال الحجَّاجُ في إحْدى خُطَبه [3] :
إني لأرَى رُؤُوسًا قد أينَعَتْ وحانَ قِطافُها وإِنّي لَصَاحِبُهَا [4] .
(2) وقال المتنبي [5] :
ولمّا قَلّتِ الإبْلُ امْتَطَيْنَا إلى ابنِ أبي سُلَيْمانَ الخُطُوبَا [6]
(3) وقال أيضًا [7] :
ألمَجْدُ عُوفيَ إذْ عُوفيتَ وَالكَرَمُ وَزَالَ عَنكَ إلى أعدائِكَ الألَمُ
البحثُ:
في كل مثال من الأمثلة السابقة مجازٌ لُغويٌّ: أيْ كلمةٌ استُعْملت في غير معناها الحقيقيِّ، فالمثالُ الأَول من الأمثلة الثلاثة الأُولى يشتملُ على كلمتي الظلمات والنور ،ولا يُقْصد بالأُولى إلا الضلال، ولا يراد بالثانية إلاَّ الهدى والإيمان، والعلاقة المشابهة والقرينة حاليةٌ؛ وبيتُ المتنبي يحتوي على مجازين هما"البحرُ"الذي يراد به الرجل الكريم لعلاقة المشَابهةِ، والقرينةُ"مشى"و"الأُسْد"التي يراد بها الشجعان لعلاقة المشابهةِ، والقرينةُ"تعانقُه"والبيت الثالث يحتوي على مجاز هو"تصافحتْ"الذي يراد منه تلاقتْ، لعلاقة المشابهةِ والقرينة"بيضُ الهند واللمم".
وإذا تأملتَ كلَّ مجاز سبق رأيت أنه تضمَّن تشبيهًا حُذِف منه لفظ المشبَّه واستعير بدله لَفْظ المشبَّه به ليقومَ مقامَه بادعاء أنَّ المشبَّه به هو عينُ المشبَّه، وهذا أبعدُ مدى في البلاغة، وأدخَلُ في المبالغة، ويسمَّى هذا
(1) - شرح ديوان المتنبي - (ج 1 / ص 242) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 49 / ص 87)
(2) - بيض الهند: السيوف، واللمم جمع لمة: وهي الشعر المجاور شحمة الأذن، والمراد بها هنا الرموس.يقول: لا ترى الانتصار لذيذًا إلا بعد معركة تتلاقي فيها السيوف بالرؤوس.
(3) - زهر الأكم في الأمثال و الحكم - (ج 1 / ص 348) وحياة الحيوان الكبرى - (ج 1 / ص 162) وصبح الأعشى - (ج 1 / ص 89) والكامل في اللغة والادب - (ج 1 / ص 101) وتاج العروس - (ج 1 / ص 5643) ولسان العرب - (ج 8 / ص 415) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 114)
شَبَّهَ رُؤُوسَهُم لاسْتِحْقَاقِهِمْ القَتْلَ بثِمَارٍ أدْرَكَتْ وحانَ أن تُقْطَفَ
(4) - أينعت من أينع الثمر إذا أدرك ونضج، وحان قطافها: آن وقت قطعها، يريد أنه يصير بحال القوم من الشقاق والخلاف في بيعة أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، فهو يحذرهم عاقبة ذلك.
(5) - شرح ديوان المتنبي - (ج 1 / ص 148) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 47 / ص 388)
(6) - امتطينا: ركبنا، والخطوب: الأمور الشديدة، يقول: لما عزت الإِبل عليه لفقره حملته الخطوب على قصد هذا الممدوح فكانت له بمنزلة مطية يركبها.
(7) - نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب - (ج 6 / ص 417) وشرح ديوان المتنبي - (ج 1 / ص 263) والوساطة بين المتنبي وخصومه - (ج 1 / ص 33) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 49 / ص 88)