الصفحة 59 من 253

هذا- وقد جرى العربُ والمُحدَثون على تشبيه الجوادِ بالبحر والمطر، والشجاعِ بالأَسد، والوجه الحسن بالشمس والقمر، والشَّهمِ الماضي في الأُمور بالسيف، والعالي المنزلة بالنَّجم، والحليم الرزين بالجبلِ، والأَمانيِّ الكاذبة بالأحلامِ، والوجه الصبيح بالدينار، والشعر الفاحم بالليل، والماء الصافي باللجَيْنِ، والليل بموج البحر، والجيش بالبحر الزاخر، والخيْل بالريح والبرْق، والنجوم بالدرر والأَزهار، والأَسنان بِالبَرْدِ واللؤلؤ، والسفُنِ بالجبال ،والجداولِ بالحيات الملتوية، والشّيْبِ بالنهار ولمْع السيوف، وغُرَّةِ الفرس بالهلال. ويشبهون الجبانَ بالنَّعامة والذُّبابةِ، واللئيم بالثعلب، والطائشَ بالفَراش، والذليلَ بالوتدِ. والقاسي بالحديد والصخر، والبليدَ بالحِمار، والبخِيل بالأرض المُجْدِيَة.

وقد اشتهر رجالٌ من العرب بِخلال محمودةٍ فصاروا فيها أعلامًا فجرَى التشبيهُ بهم. فيشبه الوفيُّ بالسَّموْءَل [1] ،و الكريم بحاتم، والعادل بعُمر [2] ، والحليم بالأحْنَف، والفصيح بسحْبان، والخطيب بقُسٍّ [3] ،والشجاع بعْمرو بن مَعْديكرب، والحكيمُ بلقمان [4] ، والذكيُّ بإياس.

واشتهر آخرين بصفاتٍ ذميمة فجرَى التشبيهُ بهم أَيضًا، فيشبه العِييُّ بباقِل [5] ، والأحمقُ بهبَنَّقَةَ [6] ، والنادمُ بالكُسعِيّ [7] ، والبخيل بمارد [8] ، والهجَّاءُ بالحُطيّئَة [9] ، والقاسي بالحجاج [10] .

(1) - هو السموءل بن حيان اليهودي، يضرب به المثل في الوفاء، وهو من شعراء الجاهلية توفى سنة 62 ق هـ.

(2) - هو أمير المؤمنين وخليفة المسلمين وأحد السابقين إلى الإسلام والأولين، اشتهر بعدله وتواضعه وزهده، وقد نصر الله به الإسلام وأعزه.

(3) - هو ابن ساعدة الإيادي خطيب العرب قاطبة، ويضرب به المثل في البلاغة والحكمة.

(4) - حكيم مشهور آتاه الله الحكمة أي ا لإصابة في القول والعمل.

(5) - رجل اشتهر بالعى، اشترى غزالا مرة بأحد عشر درهمًا فسئل عن ثمنه فمدَّ أصابع كفيه يريد عشرة وأخرج لسانه ليكملها أحد عشر ففر الغزال، فضرب به المثل في العى.

(6) - هو لقب أبي الودعاء يزيد بن ثروان القيسي، ويضرب به المثل في الحمق.

(7) - هو غامد بن الحرث، خرج مرة للصيد فأصاب خمسة حمر بخمسة أسهم، وكان يظن كل مرة أنه مخطئ، فغضب وكسر قوسه، ولما أصبح رأى الحمر مصروعة والأسهم مخضبة بالدم، فندم على كسر قوسه، وعض على إبهامه فقطعها.

(8) - لقب رجل من بني هلال اسمه مخارق، وكان مشهورًا بالبخل واللؤم.

(9) - شاعر مخضرم كان هجاء مرًا ، ولم يكد يسلم من لسانه أحد، هجا أمه وأباه ونفسه، وله ديوان شعر، وتوفى 30هـ.

(10) - هو الحجاج بن يوسف الثقفي، كان عاملا على العراق وخراسان لعبد الملك بن مروان ثم للوليد من بعده، وهو أحد جبابرة العرب وله في القتل والعقوبات غرائب لم يسمع بمثلها. توفى بمدينة واسط سنة 96هـ.

قلتُ: كثيرٌ مما نسب له في القتل غير صحيح ، وغالبه معذور فيه ، وكما قال الشاعر:

فقسا ليزدجروا ومن يك حازمًا ... فليقس أحيانًا على من يرحم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت