دقيقة طويلة فَصرفهم القرآن الكريم عن هذا ببيان أن الأهلة وسائِل للتوْقيت في المعاملات والعبادات؛ إِشارة منه إلى أن الأَولى بهم أن يسألوه عن هذا: وإِلى أَنَّ البحث في العلوم يجب أن يُرْجأَ قليلًا حتى تتوطد الدول وتَسْتَقِرَّ صخرةُ الإِسلام.
وصاحبُ ابن حجاج في المثال الثاني يقول له قد ثقَّلْتُ عليك بكثرة زياراتي فيصرفه عن رأيه في أدب وظُرْف وينقل كلمته من معناها إلى معنى آخر. ويقول له: إنك ثقَّلتَ كاهلي مما أَغدقت عليَّ من نِعم ومثل ذلك يقال في البيت الثاني، وهذا النوع من البديع يسمَّى: أُسلوبَ الحكيم.
القاعدةُ:
(77) أُسْلوبُ الحكيمِ تَلَقِّي الْمُخَاطَبِ بغِير ما يَتَرَقَّبُهُ، إِمَّا بتَرْكِ سؤالهِ والإِجابةِ عن سؤالٍ لم يَسْأَلْهُ، وإِمَّا بحَمْلِ كلامِهِ عَلَى غير ما كانَ يَقْصِدُ، إِشارَةً إلى أَنَّهُ كان يَنْبَغي له أَن يَسْأَلَ هذا السؤال أَوْ يَقْصِدَ هذا الْمَعْنَى.
تمريناتٌ
(1) بيِّن كيف جاءَ الكلامُ على أسلوب الحكيم في الأَمثلة الآتية:
(1) قال الشاعر [1] :
ولقدْ أَتيتُ لصاحِبي وسأَلْتُهُ ... في قَرْضِ دينارٍ لأمرٍ كانَا
فأَجابَني واللهِ داري ما حَوَتْ ... عينًا فقلتُ لهُ ولا إنسانا [2]
(2) قيل لشيخٍ هَرِمٍ: كم سِنُّكَ؟ فقال: إِني أَنْعَمُ بالعافيةِ.
(3) قيل لرجلٍ: ما الغنَى؟ فقال: الجودُ أَنْ تجودَ بالموجودِ.
(4) سئلَ غريبٌ عن دينهِ واعتقادهِ، فقال: أُحِبُّ للناسِ ما أحِبُّ لنفسي.
(5) قيل لتاجرٍ: كمْ رأْسُ مالك؟ فقال: إِني أَمِينٌ وثقَةُ الناس بي عظيمةٌ.
(6) قال الحجَّاجُ للمهلَّبِ: أنا أَطولُ أَم أَنتَ؟ فقال: أنْت أَطولُ [3] وأنا أبْسطُ قامةً [4] .
(7) سئل أحدُ العمَّال ما ادخرتَ منَ المال؟ فقال: لا شيءَ يعادلُ الصحَّةَ.
(8) دخل سيدُ بن أنسٍ على المأمون فقال له المأمون: أنْتَ السَّيِّدُ، فقال: أَنتَ السيدُ يا أمير المؤمنينَ وأَنا ابن أَنسٍ [5] .
(9) قال الشاعر [6] :
طلبتُ مِنه دِرْهمًا ... ... يوْمًا فاظْهَر الْعجَبْ
(1) - معاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 312)
(2) - العين: الذهب والباصرة، والإنسان قد يراد به إنسان العين وقد يراد به أحد بني آدم.
(3) - من معاني أطول أنها اسم تفضيل من الطول ضد القصر؛ وأنها اسم تفضيل من الطَّول بمعنى التفضيل.
(4) - المحاسن والمساوئ - (ج 1 / ص 197) والجليس الصالح والأنيس الناصح - (ج 1 / ص 393)
(5) - البديع في نقد الشعر - (ج 1 / ص 67) ومحاضرات الأدباء - (ج 1 / ص 26) والمحاسن والمساوئ - (ج 1 / ص 197) وشرح نهج البلاغة - ابن ابي الحديد - (ج / ص 5)
(6) - لم أجدهما