وللإيجاز مواطن يحسن فيها [1] ، كالشكر والاعتذار والتعزية والعتاب إلى غير ذلك، وللإطناب مواضع كالتهنئة والصلح بين فريقين والقَصص والخطابة في أمر من الأمور العامة، وللذوق السليم القولُ الفصل في هذه الشئون.
أما الأمر الثاني: الذي يبحث فيه عِلْم المعاني فهو دراسة ما يستفاد من الكلام ضمنًا بمعونة القرائن فإنه يريك أن الكلام يفيد بأصل وضعه معنًى، ولكنه قد يودي إليك معنى جديدًا يفهم من السياق وترشد إليه الحال التي قيل فيها، فيقول لك: إن الخبر قد يفيد التحسر، والأمر قد يفيد التعجيز، والنهي قد يفيد الدعاء، والاستفهام قد يفيد النفي، إلى غير ذلك مما رأيته مفصَّلًا في هذا الكتاب.
ويقول لك: إن الخبر قد يلقى مؤكدًا لخالي الذهن، وقد يلقَى غير مؤكد للمنكر الجاحد، لغرض بلاغي بديع، أراده المتكلم من الخروج عما يقتضيه ظاهر الكلام.
ويرشدك علمُ المعاني إلى أنَ القصر قد ينحو فيه الأديب مناحي شتى، كأن يتجه إلى القصر الإضافي رغبةً في المبالغة، فيقول المتفائل [2] :
وما الدنيا سِوَى حُلمٍ لذيذ ... ... تُنَبِّهُهُ تَباشِيرُ الصباح
ويقول المتشائم [3] :
هل الدَّهْرُ إلا ليلَةٌ طال سُهْدُها ... تنفَّسُ عنْ يوْمٍ أحمَّ عصيبِ
وقد يكون من مرامي القصر التعريضُ كقوله تعالى: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} (19) سورة الرعد ، إذ ليس الغرض من الآية الكريمة أن يعم السامعون ظاهر معناها، ولكنها تعريض بالمشركين وأنهم لفرط عنادهم وغلبة الهوى عليهم في حكم من لا عقل له.
ويَهديك علم المعاني إلى أن من أغراض الفصل في بعض أنواعه تقريرَ المعنى وتثبيته في ذهن السامع، كما في الفصل لكمال الاتصال وشبهه.
ولعل في هذه الكلمة الموجزة مَقنعًا في بيان ما لعلم المعاني من الأثر في بلاغة الكلام، وُمَا يمدُّه به الناشئ في الأدب من أساليب، وما يرسمُ له من طريق لحسن تأليفها في اختيار الأحوال والمواطن التي تقال فيها.
(1) - مثال على ذلك قوله تعالى عنهم: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} (96) سورة البقرة
(2) - لم أجده إلا في جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 9)
(3) - لم أجده