فإِنّ يَنْقطِعْ منكَ الرَّجاءُ فإِنَّه ... سَيْبقَى عليكَ الحُزْنَ ما بَقِيَ الدَّهْرُ
(8) قال عَمْرُو بْنُ كُلْثوم [1] :
إِذَا بَلَغَ الفِطَامَ لَنَا صَبِيٌّ تَخِرُّ لَهُ الجَبَابِرُ سَاجِديْنَا [2]
(9) كَتَبَ طَاهِرُ بْنُ الحُسَيْن [3] إِلى العباس بن موسى الهادي [4] و قَدْ استبطأه في خَراج ناحيته [5] :
وَلَيْسَ أخُو الحاجاتِ مَنْ بات نائمًا ... ولَكنْ أَخُوها مَنْ يَبيتُ على وَجَلْ
البحثُ:
تدبَّر المثالين الأَولين تجد المتكلم إنما يَقْصِد أَن يُفيد المخاطب الحكم الذي تضمنه الخبرُ في كل مثال، ويسمىَّ هذا الحكم فائدة الخبر، فالمتكلم في المثال الأَول يريد أن يُفيد السامع ما كان يجهله من موْلِدِ الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتاريخ الإِيحاءَ إليه، والزمن الذي أقامه بعد ذلك في مكة والمدينة وهو في المثال الثاني يخبره بما لم يكن يعرفه عن عُمَرَ بن عبد العزيز من العِفة والزهد في مال المسلمين.
تأمل بعد ذلك المثالين التاليين، تجد المتكلم لا يَقْصِد منهما أن يفيد السامع شيئًا مما تضمنه الكلام من الأحكام؛ لأنَّ ذلك معلومٌ للسامع قبل أن يعْلمه المتكَلم، وإنما يريد أن يبين أنه عالم بما تضمنه الكلام. فالسامع في هذه الحال لم يستفد علمًا بالخبر نفسِه، وإنما استفاد أنَّ المتكلم عالمٌ به، ويسمَّى ذلك لازمَ الفائدة.
انظر إلى الأمثلة الخمسة الأخيرة تجد أنَّ المتكلم في كل منها لا يقصد فائدة الخبر و لا لازم الفائدة، وإنما يَقْصِد إِلى أشياءَ أخرى يَسْتطلعها اللبيب ويَلمَحُها منْ سِياق الكلام، فيحيى البرمكي في المثال الخامس لا يقصد أَن ينبئ الرشيد بما وصل إليه حاله وحال ذوي قُرْباه من الذلِّ والصَّغار، لأن الرشيد هو الذي أمر بهِ فهو أولى بأن يعلمه، ولا يريد كذلك أَن يفيده أَنه عالم بحال نفسه وذوي قرابته. وإنما يَستعطفه و يسترحمه ويرجو شفقته، عسى أَن يصغي إليه فيعودَ إلى البرّ به والعطف
(1) - هو أبو الأسود عمرو بن كلثوم ينتهي نسبه إلى تغلب و هو صاحب المعلقة التي مطلعها:"ألا هبى بصحنك فاصبحينا".
(2) - تراجم شعراء موقع أدب - (ج 4 / ص 47) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 49 / ص 259)
قلت: ومثله قول عنترة العبسي:
إذا بَلَغَ الفِطامَ لنا صبيٌّ تَخِرُّ لهُ أعاديَنا سُجُودا
(3) - هو أبو الطيب طاهر بن الحسين من كبار الوزراء. أدبا وحكة وشجاعة، وهو الذي وطد الملك للمأمون العباسي وتوفى بمدينة مرو سنة 207 هـ.
(4) - هو ثالث أبناء موسى الهادي الخليفة العباسي الرابع، كان عاملا على الكوفة من قبل الأمين، وتوفي سنة 196هـ.
(5) - تفسير أبيات المعاني من شعر أبي الطيب المتنبي - (ج 1 / ص 91) والعقد الفريد - (ج 2 / ص 60)