الصفحة 103 من 253

مصورًا للمعنى المقصود خير تصوير كما في إطلاق العين على الجاسوس ، والأذن على سريع التأثير بالوشاية . والخفِّ والحافر على الجمال والخيل في المجاز المرسل ، وكما في إسناد الشيء إلى سببه أو مكانه أو زمانه في المجاز العقلي ،فإن البلاغة توجبُ أنْ يختار السبب القوي والمكان والزمان المختصان.

وإذا دققت النظر رأيت أنَّ أغلب ضروب المجاز المرسل والعقلي لا تخلو من مبالغة بديعة ذات أثر في جعل المجاز رائعًا خلابًا ، فإطلاقُ الكلِّ على الجزء مبالغة ومثله إطلاق الجزء وإرادة الكل ، كما إذا قلت:"فلان فٌم"تريد أنه شره يلتقم كلَّ شيء . أو"فلانٌ أنفٌ"عندما تريد أن تصفه بعظم الأنف فتبالغ فتجعله كله أنفًا . ومما يؤثر عن بعض الأدباء في وصف رجل أنافيٍّ [1] قوله:"لست أدري أهو في أنفه أمْ أنفهُ فيه".

الكنايةُ [2]

الأمثلةُ:

1.تقولُ العربُ: فلانةٌ بعيدةُ مهوَى القُرط .

2.قالت الخنساء [3] في أخيها صخر [4] :

طويلُ النجادِ رفيعُ العمادِ كثيُر الرمادِ إذا ما شتا [5] .

3.وقال آخرُ في فضل دار العلوم في إحياءِ لغة العربِ:

وجدتُ فيكِ بنتُ عدنانَ دارًا ذكَّرَتها بداوةَ الأعرابِ.

4.وقال آخرُ [6] :

(1) - رَجُلٌ أُنافِيٌّ بِالضَّمِّ أَي: عَظِيمُ الأنْفِ = تاج العروس - (ج 1 / ص 5727) والمخصص - (ج 1 / ص 76)

(2) - البديع في نقد الشعر - (ج 1 / ص 21) والعمدة في محاسن الشعر وآدابه - (ج 1 / ص 88) وسر الفصاحة - (ج 1 / ص 56) وتحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر - (ج 1 / ص 15) والمثل السائر في أدب الكاتب والشاعر - (ج 1 / ص 221) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 1 / ص 297) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 104) ومفتاح العلوم - (ج 1 / ص 175)

(3) - الخنساء: هي تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد الرياحية السلمية ، أشهر شاعرات العرب ، وأشهرهن على الإطلاق شاعرة نجدية عاشت أكثر عمرها في العصر الجاهلي ، وأدركت الإسلام فأسلمت وهي من أولى طبقات الرثاء ، وفدت على الرسول صلى الله عليه وسلم مع قومها وكان يستنشدها ويعجبه شعرها ، استشهد أولادها الأربعة في القادسية سنة 16 هـ فقالت الحمد لله الذي شرفني بقتلهم ، وتوفيت سنة 24 هـ .

(4) - الحماسة البصرية - (ج 1 / ص 91) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 1 / ص 310) والكامل في اللغة والأدب - (ج 1 / ص 314) والعقد الفريد - (ج 1 / ص 356) والأغاني - (ج 4 / ص 157) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 3 / ص 438)

وعندهم جميعا: طَوِيلُ النِّجادِ، رَفِيعُ العِما ... دِ سادَ عَشِيرَتَهُ أَمْرَدَا

(5) - شتا في المكان: أقام فيه

(6) - محاضرات الأدباء - (ج 1 / ص 391) وسر الفصاحة - (ج 1 / ص 81) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 104) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 189)

والشاهد فيه: القسم الأول من أقسام الكناية، وهو: أن يكون المطلوب بها غير صفة ولا نسبة، وتكون لمعنى واحد كما هنا، وتكون لمجموع معان، فقوله: بمجامع الأضغان معنى واحد كناية عن القلوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت