وسائلُ العباداتِ إمَّا أن تكون عباداتٍ محضةً في نفسِها، وإمَّا أن لا تكون كذلك، بل تكونُ من العاداتِ والمُباحاتِ الَّتي يُتوصَّلُ بها إلى الطَّاعات.
فالحال الأولى: أن تكون عباداتٍ محضةً فقد تكون حينئذٍ وسائلَ لأُمورٍ تعبّديَّةٍ غير معقولةِ العلَّةِ، كرفع الحدثِ وسيلتُهُ الوضوءُ، فهذه الوسيلة توقيفيَّةٌ لا يُتجاوزُ فيها النصُّ، لأنَّنا لا نعلم حصول المعنى التعبُّديِّ المقصودِ من العبادةِ إلاَّ بالوسيلة المنصوصة، ففي مثل هذا كانت الوسيلة توقيفيَّةً من جهةِ أنَّ معنى زوال الحدث تعبُّديٌّ لا أنَّ وسيلة إزالةِ الحدث توقيفيَّة.
وقد تكون وسائلَ لأُمورٍ معقولةِ العلَّةِ معلومةِ المَعنى، كالجهادِ وسيلة كفِّ بأس الذين كفروا كما قال الله عزَّ وجلَّ (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَاسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَاسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا) .
وهذا المعنى (كفّ بأس الذين كفروا) معنًى معقولٌ، فكلُّ ما حصل به هذا المعنى فهو مشروعٌ، سواءٌ ما جاءت به السنَّة كمصالحة الكافرين على مالٍ ونحوه، أو ما لم يرد فيه نصٌّ كالمقاطعة الاقتصاديَّة وما شابهها، إلاَّ أنَّ ما كان من هذا الباب لم يجز فيه تركُ الوسيلةِ الأصليَّة المنصوصةِ، فلا يُستغنى عن الجهاد في كفِّ بأس الكافرين بحالٍ، ويُعلم أنَّ كفَّ بأس الكافرين كفًّا تامًّا لا يكون إلاَّ بالقتال، وأمَّا الوسائل الأُخرى فلها أثرٌ في حصول المقصود وإن كانت لا تستقلُّ بذلك.