عصمة الدم والمال إنَّما تكون في الأصل بالإسلام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا قالوها عصموا منِّي دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقِّها"، فجعل الغاية لقتالهم شهادة أن لا إله إلا الله، وعلق العصمة بأن يقولوا هذه الكلمة، فمن لم يقلها فلا عصمة له.
وحُكم في الشرع بالعصمة للمعاهد والذمي والمستأمن، بعقودٍ مؤقَّتة للمعاهد والمستأمن، ومؤبّدة للذمِّي.
ومُقتضى هذا إباحة دماء الكفار وأموالهم، وهو ما اتَّفقت عليه الأمَّة في الجملة، إلاَّ أنَّ إباحة دمائهم وأموالِهِم لا تعني عدم صحَّة ملكهم في الأصل، فهناك فرقٌ بين أن لا يملكوا ما بأيديهم، وأن يكونوا مالكيه حتَّى يصل إليه جند الله المسلمون.
وفي قوله تعالى: (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) تأكيدٌ لهذا المعنى، فهي ديارٌ لهم وأموالهم، ولكنَّ الله نوَّلها المسلمين، وإن كانت الإضافة يرد عليها احتمال الاختصاص مع احتمال الملك.
وينفي احتمال الاختصاص ويؤيِّد ما قُرِّر من صحَّة تملكهم، تفاصيلُ أحكامِ الملك التي تثبت لهم، فإذا أسلموا أو عصمت أموالهم ودماؤهم بعهد أو أمان أو ذمة، عاملناهم على هذه الأموال أنَّها لهم، وكان لهم من الأموال ما أسلموا أو عُصموا وهو تحت أيديهم، ولو تحاكموا إلينا فيما أخذ بعضهم من بعض حكمنا بينهم بحكم الشرع، وجعلنا الأموال التي يعتقدون ملكها أموالًا لهم، ورددنا ما أخذ ظالمهم من مظلومهم، وأوجبنا عليهم أداء الحقوق وقضاء الديون وغير ذلك من أموالهم.
وإذا أخذنا منهم الفدية أخذناها من أموالهم، والفدية عقدٌ يشتري به المشرك نفسه من المسلمين، والأصل صحَّة العقد وموافقته الشروط ظاهرًا، وأنَّ المال المبذول منه ثمن لنفسه، لا أنَّه اغتنام مالٍ منهم في صورة بيع.