قال تعالى: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ) .
فأخبر الله عز وجل أنَّ ما قُطع من النخل أو تُرك مأذونٌ للمسلمين فيه غير منكرٍ من فعلهم ولا مذموم، بل هو خزيٌ منه سبحانه وتعالى للفاسقين، وقد دلَّت الآية على مشروعيَّة قطع النخيل من وجوه:
الأول: ذكر قطع النخيل على جهة الإقرار والامتداح للمؤمنين، ولو كان منكرًا من فعل المسلمين لم يُذكر إلاَّ مع الإنكار وبيان التحريم.
الثاني: التسوية بين القطع والترك في حصول المقاصد الشرعية، والترك لا نزاع في جوازه، فكذلك الفعل.
الثالث: أنَّ الآية جاءت لدفع توهم التحريم، أو الرد على من ذمَّ المسلمين به لأنه من الفساد بزعمه، على القولين في سبب النزول، والرد على من يقول بالتحريم يقتضي الجواز والمشروعيَّة.
الرابع: أنَّ الله جعل ذلك خزيًا للكافرين، وهذا مما لا تُمتدح به الأفعال المحرَّمة، بل لا يكون إلاَّ فيما هو مشروعٌ مُرغَبٌ فيه مأمورٌ به.
الخامس: أنَّ الله سبحانه ذكر أنَّ ما قُطع فهو بإذنه، والإذن المُراد هو الإذن الشرعي لا الكوني، إذ لو كان الإذن إذنًا كونيًّا في سياق الرد على من يقول بالتحريم لكان الله يعلِّم عباده الاحتجاج على الذنب بالمعاصي، فكل من ذُكر له ذنب قال: ذلك بإذن الله، والاحتجاج بالقدر على المعاصي باطلٌ مخالفٌ للشريعة، مذمومٌ في كتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومعنى ذكره تعالى لقطع النخيل وكونه خزيًا للفاسقين ظاهرٌ، أمَّا الترك فيحتاج إلى إيضاح، إذ الترك لا يكون محمودًا لذاته، بل لا بدَّ من تضمّنه معنىً وجوديًّا يتعلَّق الحمدُ به، وقد وصف الله الأمرين: القطع والترك بأنَّهما بإذنه، وبأنَّ فيهما خزيًا للفاسقين.