فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 106

تأوَّل الشافعي رحمه الله نهي أبي بكر الصديق عن قطع الأشجار بأنَّ ذلك كان لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم وعد الصحابة بفتح الشام فأراد أن لا تتلف فتكون خسارتها على المسلمين، وهذا وجه وجيه ومذهب قويٌّ، يؤيّده ما قدَّمنا في إتلاف نخيل بني النضير.

وقدّمنا في إتلاف الأشجار ما رُوي أنَّ الصحابة اختلفوا يوم تحريق نخل نبي النضير، فمنهم من رأى قطعها نكايةً في اليهود، ومن رأى تركها لانتفاع المسلمين، وأنَّ الله عزَّ وجلَّ أخبر عن إذنه بكلا الأمرينِ، وبيّن أنَّ في كليهما خزيًا للفاسقين.

وتحتمل هذه الأدلَّة أن يُقال: إنَّ التحريق والتخريب والقطع جائزٌ لا دليل يصحُّ على تحريمه، وأن يُقال: إنَّه لا يجوز إلاَّ للمصلحة الراجحة للمسلمين، ودرء المفسدة التي يخشونها من الكافرين.

والأصحّ والله أعلم هو القول الثاني، لأنَّ الأصلَ منعُ الفسادِ بالنصِّ، والمنع عامٌّ يُستثنى منه ما أخبر الله تعالى عنه، فقال: (وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ) فيجوزُ منه القدر الَّذي فيه الخزي للفاسقين.

يوضّحه أنَّ الله عزَّ وجلَّ جعل خزي الفاسقين في الأمرين من الفعل والترك، ويمتنع أن يستوي الفعل والترك مطلقًا، بل لا بدَّ أن يكون لكلٍّ منهما موضعٌ يختصُّ به ويصحُّ فيه، فيقطعُ ما دام القطعُ أخزى للكافرين فإذا بلغ الموضع الَّذي يكون فيه الترك أخزى للفاسقين وأنفع للمسلمين لم يقطع، وإذا كان الترك من قبل أن يقطع أخزى للفاسقين كان عليه أن لا يقطع ليكون الخزي على أعداء الله ببقاء النخيل، وهكذا سائر أنواع الإتلاف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت