فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 106

فعندما حوصرت عكا عام سبعة وثمانين وخمسمائة أُرسلت إليهم السفن بالمُؤن، وكان منها سفينة مشحونة بالأمتعة والأسلحة، فأحاط بها الإنكليز، وتحقق المسلمون الغرق أو القتل فخرقوا جوانبها وغرقت، ولم يتمكن الفرنج من أخذ شيء منها، لا من الميرة ولا من الأسلحة، وكأنَّهم والله أعلم رأوا أنَّ القتل لا مخرج منه، فاختاروا أن يغرقوا المركب مع قتلهم ليُفوّتوا على النصارى ما معهم من المؤن، لا أنَّهم عدلوا تفويت المؤن على العدو، بمفسدة قتل أنفسهم.

وفي العام ذلك خرَّب السلطان الملقب صلاح الدين الأيوبي عسقلان، وكانت من المدن العظيمة في الإسلام، وشقَّ تخريبها على المسلمين، وقال السلطان: والله لموت جميع أولادي أهون على من تخريب حجر واحد منها، ولكن إذا كان خرابها فيه مصلحة للمسلمين فلا بأس به.

وفي عام ستمائة وخمسة عشر خرّب الملك الملقّب بالمعظَّم ابن الملك الملقب بالعادل الطور، لئلا ينتفع بها الصليبيون إذا استولوا عليها، وخرب عام ستة عشر وستمائة سور بيت المقدس خشية أن يستولي عليه الصليبيون فيتمكّنوا به من بقية بلاد الشام.

فهذه المواضع كلُّها فيها إتلاف ما هو في أيدي المسلمين لقطع منفعته عن الكافرين إذا استولوا عليه، أمَّا إتلاف ما هو في أيدي الكافرين وهم ينتفعون به فهو أولى بالجواز وآكد في هذا الحكم.

وأدلَّةُ المسألة مقرَّرةٌ في ثلاثةِ وجوه:

الأوَّل: جوازُ إتلاف النفس وهي أعظم حرمةً من الأموال إن كان عنده أسرار عظيمة للمسلمين، وكان عند المشركين من الوسائل ما يستطيعون به الحصول على تلك الأسرار، كما جاز ليونس أن يُلقي نفسه في البحر ليستنقذ بقيَّةُ من في السفينة، وكما جاز للغلام أن يدلَّ الملك على الطريقة التي يقتُلُه بها لمصلحة دلالة أصحاب الأخدود على الإسلام فكان ذلك، وقد أفتى بهذه المسألة من المعاصرين محمد بن إبراهيم وعبد الله بن حميد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت