تردُ مسألة إتلاف أموال المسلمين في موضعين:
الموضع الأول: قتال من يجوز قتالُه من المسلمين، كقتال البُغاة والخوارج ونحوهم، وهذه مسألةٌ خارج البحث، والتحقيقُ فيها والله أعلم أنَّ إتلاف أموالِهم محرَّمٌ في الحربِ، لأنَّهم مسلمون تُحفظ دماؤهم وأموالُهم وأعراضهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلُّ المسلم على المسلم حرامٌ، دمُه وماله وعرضه"، وهذا عمومٌ خُصَّ منه دفع الباغي بقدر الضرورة فتقدَّر بقدرها.
أمَّا ما حضر الحرب من أموالهم، فقد قيلَ إنَّه يجوز اغتنامُه، فعلى هذا يجوز إتلافه ما لم يكن فيه ضررٌ من وجه آخر، والله أعلم.
الموضع الثاني: إتلاف أموال المسلمين لتفويت منفعتِها على الكفَّار، وهذا هو الواردُ في موضوع البحث.
فأخرج أبو داود في سننه من حديث محمد بن إسحاق قال: حدثني ابن عبَّاد عن أبيه عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير -قال أبو داود: وهو يحيى بن عباد- قال حدثني أبي الذي أرضعني وهو أحد بني مرة بن عوف، وكان في الغزاة غزاة مؤتة، قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرسٍ له شقراء فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قُتل. قال أبو داود: هذا الحديث ليس بالقويِّ.
وهذا الخبر مشتهرٌ في السِّيرة، وإن كان لا يُروى بإسنادٍ صحيحٍ، وهو جارٍ على القواعد، فإذا دار الأمرُ بين انتفاع الكفَّار بالشيء، وعدم انتفاعهم مع عدم انتفاع المسلمين به في الحالين، فلا شكَّ أن تفويته على الكفَّار مقصودٌ عظيمٌ ليس فيه مفسدة زائدةٌ عن التي في تركه.
وقد وقع في التأريخ الإسلامي وقائعُ متعدِّدةٌ أُتلفت فيها بعض مصالح المسلمين لتفويتها على الكافرين، أذكر بعضها غير متقصيها وهي كثيرة: