والقاعدة صحيحةٌ لا مأخذ عليها، إلاَّ أنَّها مقيَّدةٌ بقاعدةٍ أُخرى أشار إليها في الرسالة نفسِها ونصَّ على كونها مستثناةً منها، وهي التفريق بين الممتنع والمقدور عليه، فالأصل في قتل المقدور عليه الإحسان، أما الممتنع فلا، وقد عادَ في القاعدة الثانية: وهي التفريق بين الممتنع والمقدور عليه، فنصَّ على وجوب الإحسان على المجاهدين في القتال ما استطاعوا، وضرب لذلك أمثلةً: بالقصف والتدمير والإحراق وقتل النساء والأطفال، ومثالًا بمسألةٍ أُخرى مغايرةٍ لذلك هي مسألة التترس.
والصواب أن يُقال: الأصل في القتل الإحسان، والأصل في القِتال الإثخان، والقتال للممتنعِ والقتلُ للمقدورِ عليه، والتفريقُ بين القتلِ والقِتال قاعدةٌ مشهورةٌ أدلَّتها كثيرةٌ، فيجوز في القتال ما لا يجوزُ في القتل، والله أمر في القتال بالإثخان فقال: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ) وقال: (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ) ، وقال: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) ، ولمَّا سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل الدار يُبيَّتون فيُصاب من نسائهم وذراريهم قال: "هُم منهم"، وقوله هم منهم فيه زيادةٌ على الإباحةِ فهو يقتضي التسوية بينهم وبين المقاتلة في تلك الحال، ولم يُقيّد ذلك صلى الله عليه وسلم بالاستطاعة بل ظاهره أنَّهم منهم وأنَّ قتلهم كقتلهم، فللمجاهدين أن يُبيّتوا وإن قدروا على العدوِّ بغير التبييت.
ولم يُقيِّد النبي صلى الله عليه وسلَّم حكم البيات بحال الاضطرار، وترك البيانِ في معرِض الحاجةِ إلى البيانِ بيانٌ، وهذا موضعُ بيانِه فلو كان لبيّنه صلى الله عليه وسلَّم.