ويُخرَّج على هذا الأصل القول الأوَّل بأنَّ من وجد ماله بعد القسمة لم يستحقَّه بالثمن ولا بغيره بأن يُقال: إنَّ استحقاقه إنَّما يُقدَّم على حقِّ الغانمين حيثُ كان المال بمنزلة المُبَاح، فأمَّا بعد وقوع القسمة فالقسمة سببٌ للمِلك يُزيل استحقاقه.
وقد قالَ بهذا القول في التفصيل وأخذ صاحب المال ماله بالثَّمن أبو الخطَّاب الكلوذاني، مع قولِه بأنَّ الكفَّار لا يملكون أموالنا، وجعل ملك المسلم يزول بالقسمةِ لا باستيلاء الكفَّار.
المذهب الثالث: أنَّ صاحبه أولى به مطلقًا، لأنَّ الملك لم يزل والقسمة لم تقع موقعًا صحيحًا، فلا يزول الملك بالقسمة ولا بغنيمة الكفَّار، وهو مذهب الشافعي ومجاهدٍ، واستدلّوا بأنَّ المقسوم لا يخلو من أن يكون تملَّكه الكفَّار وصح ملكهم عليه فلا يكون أحقَّ به بالثمن ولا بغير الثمن، لأنَّه كسائر الأموال التي يغنمها المسلمون من الكفَّار، أو يكون باقيًا ملك صاحبه عليه، فلا تُبيحه القسمة لأنَّها وقعت على مال مسلم لا على مال كافر، والمسلمون استعادوا مال أخيهم المسلم ولم يغنموه، ولا فرق بينه وبين ما ظُنَّ من الغنيمة فقُسم ثمَّ عُلم أنَّه من متاع بعض الجيش.
ومن دليل هذا القول - غير القياس الَّذي تقدَّم إشارة أحمد إليه - قصَّة الجارية الأنصارية التي نجت على ناقة النبي صلى الله عليه وسلم وحيثُ لم يُشارِكها أحدٌ فإنَّ حيازتها المال بمنزلة حيازة الغانمين أموالهم، فحيثُ رُدَّت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم إليه، لزم أن نردَّ مال صاحب المال إليه بعد القسمة وحيازة الغانمين له.