فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 106

المذهب الأول: أنَّه لا حقَّ لصاحبه فيه، والغانمون بعد القسمة يملكون ملكًا تامًّا صحيحًا بها، وهو مرويٌّ عن بعض السلف، وإحدى الروايات في مذهب أحمد.

المذهب الثاني: أنَّ صاحِبَه أولى به بالثَّمن، وهو مذهب جمهور السلف والصحيح من مذهب الحنابلة، وقول الحنفيَّة والمالكيَّة، وهذا التفصيل يُقوِّي ما قدَّمنا من قول ابن تيمية إنَّ مذهب أحمدَ هو أنَّ الكفَّار يملكون مالنا ملكًا مقيَّدًا ليس كملك المسلمين، وهذا ليسَ قولًا خاصًّا في هذه المسألة لابن تيميَّة بل هو أصله في حقيقة المِلك أنَّه ليسَ إلاَّ ما يأذن به الشارع من التصرُّفاتِ وما يتبع ذلك كالضَّمان وغيره، وعرَّفه بأنَّه القُدرَة الشَّرعيَّة، وقد قرَّره في مجموع الفتاوى (31/ 243) وبيّن أنَّ التملُّك مراتب مختلفة، فملك الوارث غيرُ ملك المبتاع وهكذا.

وهذا أصلٌ صحيحٌ في الجملة، لكن الظَّاهر في هذه المسألة قولٌ قريبٌ من هذا القول وهو أنَّ مال المسلم إذا استولى عليه الكفَّار خرج عن ملك المسلمين ويكون مالًا مُبَاحًا لا يَدَ عليه، فإن أسلَمَ عليه الكافِرُ كان له، وإن أخذه المسلمون كان لمالكه قبل وقوعه في يد الكافر سببُ تقديمٍ فيه فقُدِّم على غيره، كالسَّابِقِ إلى مُباحٍ، ويكون مقدّمًا على الغانِمِينَ لاستحقاقه القديم، وهذا الاستحقاق من نوع الاختصاص لا الملك، وإن قُسِمَ المال للغانِمِين كانت قسمتهم له قبلَ مُطالبة صاحبه مسقطةً لحقِّه في تملُّكه ولا يستحقُّ قيمَةَ المال لأنَّه مستحقٌّ لتملُّكه غيرُ مالِكٍ له، وإنَّما يستحقُّ عينَهُ بالثَّمَن لأنَّ الغانمين حقُّهم في قيمة المال، والمالك حقُّه في عينِهِ دونَ قيمَته، فلمَّا تعارضَا مُكِّن من أخذ عينِ المال على أن يبذل لهم قيمَتَهُ فيأخذ كلٌّ ما استحقَّ، فهذا الأصل لابن تيميَّة هو أحسنُ ما يُقرَّر به قول الجمهور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت