وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال يُستجاب للعبدِ ما لم يدعُ بإثمٍ أو قطيعة رحم ما لم يستعجل"، فعُلم أنَّ ما دعا به النبي صلى الله عليه وسلم على مضر من سنين كسني يوسفَ ليس فيهِ إثمٌ، وما لم يكن فيه إثمٌ ففعله جائزٌ والدعاء به كذلك، وهذا فيما يكون إثمًا في نفسه مما علَّة تحريمه موجودةٌ في عينِ الفعلِ المنهيِّ عنه، أما ما كان محرّمًا لأمرٍ خارجٍ كهلاكِ كافرٍ في الحرمِ أو موت معاهدٍ، وكالدعاء بطلب الموت من الله في أزمان الفتن، فهذا يجوز الدعاء به ولا يجوز فعله، لوجود علة التحريم في صورة الفعل دون الدعاء، والله أعلم.
ففي هذين الحديثين الدليلُ الخاصُّ على مشروعية الحصار الاقتصاديِّ وحده وإن لم يُرافقه حصارٌ عسكريٌّ، مع موافقتهما للأصل العامِّ من مشروعيَّة جميع أسباب النكايةِ في العدوِّ كما تقدَّم.
ويدلُّ عليه أيضًا فعل النبي صلى الله عليه وسلم حينَ حاصرَ الطَّائفَ، ولا فارق مؤثرًا بين الحصار الاقتصاديِّ المجرَّد والحصار العسكريِّ للكفَّار الَّذي يتضمَّن الحصار الاقتصاديَّ.
ومثله فعله صلى الله عليه وسلم فيما ذُكر عنه يوم بدر، حين قال له الحباب بن المنذر: فإن هذا ليس بمنزل، فامض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغور ما وراءه من القُلُب، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد أشرت بالرأي"، قال ابن إسحاق فحُدِّثت عن رجالٍ من بني سلمة أنَّهم ذكروا أنَّ الحباب بن المنذر فذكر القصة وهي مشهورةٌ والإسناد ضعيفٌ من جهة الحديث وإن كان يُمشَّى في السيرةِ ونحوها، ورُوي مسندًا من حديث ابن عباسٍ وفيه نزول ملكٍ بتأييد الحباب، لكن فيه الكلبيُّ الكذَّاب.