ومن لم يُحرِّر معنى القصد الذي تكون به العادة عبادة وأحكامَه اختلطت لديهِ أحكامُ العباداتِ وصرفِها لغيرِ الله ولم يُحسن التفريق بين الرياءِ والشركِ الأكبرِ، فإنَّ الرِّياءَ فيه صرفُ القصدِ دون الأصلِ لغير الله، أمَّا الشِّركُ ففيه صرفُ الأصلِ لغير الله ثمَّ قد يكون القصدُ مصروفًا لمن يعبده من دون الله، وقد يكون مصروفًا إلى غيره، كمن يعبد الأصنام والقبور والأولياء لتقرِّبه إلى الله زُلفى، وكثيرٌ من هؤلاء المشركين يصدقُ في قصدِه وجه الله بهذا الشرك، ويُريد به التقرُّب إلى الله، فقصده حين يصرفه إلى الله مع صرفه الأصل لغيره، كقصد المرائي حين يصرفه لغير الله مع صرف الأصل لله، فالأوَّل لا يخرج من الشِّرك والثاني لا يخرج من التوحيد، وهذا أصلٌ مختصرٌ ذكرناه استطرادًا وهو من أعظم أصول الاعتقادِ الَّتي يُعرف بها غلطُ المرجئة والجهميَّةِ والمجادلين عن عبَّاد القبورِ والأضرحةِ، وبه يُردُّ على شُبهةٍ مشهورةٍ من أشهر شبهاتهم، وهي إيرادُ تكفير من فعل العاداتِ كالتبسم في وجه أخيه واللقمة يجعلها في في امرأته ونحوها لغير الله، على من يكفِّر من صرف العباداتِ لغير الله، بحجّةٍ هي عينُ حجَّةِ من يقول بالتوقيف في وسائل العباداتِ.
ومن المسائل التي طرد بها القائلون بالتوقيف في وسائل العباداتِ قاعدتَهم: قولهم بتحريم المُظاهراتِ لأنَّ وسيلة إنكار المنكر تعبّديَّة، وقولهم بتحريم اجتماعِ طائفةٍ من الناسِ على الدعوةِ أو إنكارِ بعض المنكراتِ أو الجهاد في سبيل الله إلاَّ أن يكون ذلك بأمرِ أميرٍ له ولايةٌ على شيءٍ من بلاد المسلمين، وقولهم بتحريم المقاطعة الاقتصاديَّة لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يفعلها فيما يزعمون، وأخذهم بهذا في كثيرٍ من وسائل الجهاد وآلاتِه الحديثة.