والقائلون بالتوقيفِ في وسائل العباداتِ استدلُّوا بأنَّ وسيلةَ العبادةِ عبادةٌ، والعبادةُ لا بدَّ فيها من التوقيف، وهذا خلطٌ بين وجهين للعبادة، فإنَّ العبادةَ قد تكون عبادةً بالأصلِ وقد تكون عبادةً بالقصدِ، فالثاني يدخل فيه جميعُ العاداتِ والمُباحاتِ إذا فُعلت بنيَّةٍ صالحةٍ، وقاعدةُ "وسيلة العبادة عبادةٌ"، يُراد بها أنَّ الوسيلة عبادةٌ بالمعنى الثاني لأنَّها صارت طريقًا للطاعةِ ووسيلةً إليها فأُثيبَ عليها، وقاعدة "العباداتُ توقيفيَّةٌ" يُراد بها العبادةُ بالمعنى الأوَّل وهي العبادة المحضة التي تختصُّ بأحكامٍ كثيرةٍ عن العبادة بالقصدِ؛ فلا يصحُّ أن تُبنى هذه القاعدة على هذه بناء المقدّمتين للوصول إلى نتيجة التوقيف في وسائل العبادات، لاختلاف معنى العبادة في القاعدتين، ومن المسائل التي تختلف فيها العبادة المحضة عن العبادة بالقصد: أنَّ العبادة المحضة لا يجوز فعلها بلا نيَّةٍ ويأثمُ من فعلها يُريدُ بها الدُّنيا، بخلاف العبادةِ بالقصدِ فإنَّها إذا انتفى منها القصدُ الصالح صارت مباحًا من المُباحات، وإذا فُعلت للدنيا كان هذا سبيلَها وشأنها كما لو اتَّجر الرَّجل يريدُ بتجارته الغِنى واليسار، أو شرِبَ الماء يُريد إذهاب الظَّمأ والالتذاذ بالماء البارد.
ولا فرق في النزع والاستدلال بين الَّذي يستدلُّ للتوقيف في وسائل العباداتِ بهذا الاستدلال: أنَّ الوسيلة للعبادة عبادة والعبادة توقيفيَّة، ويخلط بين معنيي العبادة في استدلاله، لا فرق بينه وبين من يقول: من لم يكفِّر الكافر فهو كافرٌ، ثمَّ يُجري هذا الحكم على من توقَّف في الكافر كفرًا ملتبسًا كمن لم يكفِّر تارك الصلاة، فيحكم بكفرِ من ذهب إلى عدم تكفير تارك الصلاة من أهل العلم ونحو ذلك.