نفس الصورة تتكرّر اليوم؛ في بداية هذا القرن الذين نحن في أواخره، كما ذهب امرؤ القيس إلى الروم، وكما ذهب عثمان بن الحويرث إلى الروم؛ طالبًا منهم التمكين لحكمه، ذهب مشاهير العرب الذين قامت على أساسهم تلك الدول العميلة التي ما زالت بقاياها بين أظهرنا؛ الشريف الحسين ومبارك الصبّاح وعبد العزيز آل سعود، وننقل لكم نصًّا في غاية الأهميّة، ذكره خير الدين الزركلي صاحب (الأعلام) ، المؤرخّ الثقة المشهور، في كتابه (شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبد العزيز) 1\ 232، وهذا كتاب مهم جدًا وجدير بكلّ طالب حقّ أن يقرأه وأن يتطلع عليه، ففيه من الأسرار الكثير.
وهي رسالة ووثيقة حفظها لنا التاريخ؛ أرسلها (مبارك الصباح) أمير الكويت إلى أمير نجد عبد العزيز آل سعود، ينصحه فيها فيما يتعلق بعلاقته ببريطانيا، والتي كان سيّدة العالم في ذلك الوقت، فأمريكا لم تكن قد ظهرت بعد، وكانوا يسمّونها الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وكان البحر الأبيض المتوسط يسمّونه بحيرة بريطانيّة، بل كانت قوة بريطانيا آنذاك أشد من قوة أمريكا الآن، فأمريكا تحكم العالم بصورة غير مباشرة أما بريطانيا فكانت تحكم العالم بصورة مباشرة عبر الاحتلال الظاهري. فكانت بريطانيا هي التي تسود وتحكم العالم، وكانت هي التي تقوم بدور أمريكا الآن، فكانت هي التي تتحكم بمصائر العرب والمسلمين وتتلاعب بالحكّام كما يتلاعب الصغير بالدمى والعرائس.
ومبارك الصباح كان له في تاريخ العمالة قَدَم السَّبْق، كان أقدم من عبد العزيز، وكان عبد العزيز وقتها شابًا صغيرًا لم يظهر على ساحة الأحداث، وكان وقتها يحكم نجد فقط ولم يتوسّع في شبه الجزيرة العربيّة -وكما سنبيّن ونتوسّع في مكان آخر-، فالذي مكّن له من التوسع هي بريطانيا، من أوّل حكمه إلى أن تمت له السيطرة على المملكة العربية السعودية بأكملها.
فمبارك آل الصباح كان مخضرمًا في سلك العمالة أمّا عبد العزيز آل سعود فكان لا يزل شابًا صغيرًا ناشئًا، ولم يكن له باع طويل من الناحية السياسية، وبالفعل بعضهم أولياء بعض، أرسل مبارك الصباح لعبد العزيز رسالة ينصحه ويرشده ويوجّهه إلى الطريقة المثلى في التعامل مع بريطانيا، وهي مكتوبة باللغة العاميّة، يقول له:
"وأنت الله يسلّمك أمورك مُيسّرة إن شاء الله، والكرنل [أي الكولونيل ويقصد لورنس العرب العميل المشهور] يِبِي يحضر بالبحرين يوم 15 ذي الحجّة، وينتظر الخبر منك [أي خبر توقيع الصفقة التي باع فيها البلاد والعباد] ، وأنت -الله يُسلِّمك- كل من دخل تحت نظرهم اعتزّ واستراح، مثلما نشوف نحنا وراعي البحرين وعمّان، رفيقهم عامر وعزيز، وهذا إن شاء الله من حسن توفيقك، وإلّا يا ولدي عبد العزيز يطلبون منّا واردات الإحساء والقطيف."اهـ.